العيني
234
عمدة القاري
سيده : الجن نوع من العالم ، والجمع : جنان ، وهم : الجنة ، والجني منسوب إلى الجن ، والجنة طائف من الجن ، والمجنة الجن ، وأرض مجنة : كثيرة الجن ، والجان : أبو الجن ، والجان : الجن ، وهو اسم جمع . واعلم أن الموجود الممكن الذي ليس بمتحيز ولا صفة للمتحيز هم الأرواح ، وهي : إما سفلية وإما علوية . فالسفلية : إما خيرة وهم : صالحو الجن ، أو شريرة وهم مردة الشياطين . والعلوية : إما متعلقة بالأجسام : وهي الأرواح الفلكية ، أو غير متعلقة بالأجسام : وهي الأرواح المقدسة . وقال ابن دريد : الجن خلاف الإنس ، يقال : جنه الليل وأجنه وجن عليه وغطاه في معنى واحد : إذا ستره ، وكل شيء استتر فقد جن عنك ، وبه سميت الجن ، وقال ابن عقيل : إنما سمي الجن جناً لاستجنانهم واستتارهم عن العيون ، ومنه سمي الجنين جنيناً . قوله : ( تفلت ) ، بفتح الفاء وتشديد اللام : أي تعرض لي فلتة أي بغتة . وفي ( المحكم ) : أفلت الشيء إذا أخذه بغتة في سرعة ، و : كان ذلك فلتة أي : فجأة ، والجمع : فلتات ، لا يجاوز بها جمع السلامية ، والفلتة الأمر يقع من غير إحكام . وفي ( المنتهى ) : تفلت علينا وإلينا . وفي ( الصحاح ) : أفلت الشيء يفلت وانفلت بمعنى ، وأفلته غيره . قوله : ( البارحة ) ، هي أقرب ليلة مضت . وفي ( المنتهى ) : كل زائل بارح ، ومنه سميت البارحة أدنى ليلة زالت عنك ، تقول : لقيته البارحة ، والبارحة الأولى ، ومنذ ثلاث ليال . وفي ( المحكم ) : البارحة هي الليلة الخالية ولا تحقر ، وقال قاسم في ( كتاب الدلائل ) : يقال : بارحة الأولى يضاف الاسم إلى الصفة ، كما يقال : مسجد الجامع ، ومنه الحديث : ( كانت لي شاة فعدا عليها الذئب بارحة الأولى ) . وانتصابها على الظرفية . قوله : ( أو كلمة نحوها ) أي : أو قال كلمة ، نحو : تفلت علي البارحة ، مثل قوله في رواية أخرى للبخاري : ( عرض لي فشد علي ) ، ووقع في رواية عبد الرزاق : ( عرض لي في صورة هر ) ، وفي رواية مسلم من حديث أبي الدرداء : ( جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي ) . قوله : ( إلى سارية ) وهي الأسطوانة . قوله : ( حتى تصبحوا ) ، أي : حتى تدخلوا في الصباح ، وهي تامة لا تحتاج إلى خبر . قوله : ( كلكم ) ، بالرفع تأكيد للضمير المرفوع . قوله : ( رب اغفر لي وهب لي ) كذا في رواية أبي ذر ، وفي بقية الروايات هنا : ( رب هب لي ) ، قال الكرماني : ولعله ذكره على قصد الاقتباس من القرآن ، لا على قصد أنه قرآن . انتهى . ووقع في رواية مسلم ، كما في رواية أبي ذر : والأخوة بين سليمان وبين سيدنا محمد بحسب أصول الدين أو بحسب المماثلة في الدين . قوله : ( قال روح فرده خاسئاً ) أي : قال روح بن عبادة المذكور في سند الحديث ، فرده النبي ، أي : العفريت ، حال كونه خاسئاً أي : مطروداً . وفي ( المحكم ) : الخاسىء من الكلاب والخنازير والشياطين : البعيد الذي لا يترك أن يدنو من الناس ، وخسأ الكلب يخسأ خسأً وخسوءاً فخسأ وانخسأ ، ويقال : اخسأ إليك واخسأ عني . وفي ( الصحاح ) : خسأت الكلب طردته ، وخسأ الكلب نفسه ، يتعدى ولا يتعدى ، ويكون الخاسىء بمعنى : الصاغر الذليل ، ثم إن قوله هذا بحسب الظاهر يدل على أن هذه الزيادة في رواية روح دون رفيقه محمد بن جعفر ، ولكن البخاري روى في أحاديث الأنبياء عن محمد بن بشار عن محمد بن جعفر وحده ، فزاد في آخره أيضاً : ( فرددته خاسئاً ) ، وفي رواية مسلم : ( فرده ا خاسئاً ) ، فعل هذا دل على أن قوله : قال روح ، داخل تحت الإسناد ، وبهذا يحصل الجواب عن قول الكرماني . فإن قلت : هذا تعليق للبخاري منه ، أو هو داخل تحت الإسناد السابق . ذكر ما يستنبط منه من الفوائد الأولى : قال الخطابي : فيه دليل على أن رؤية الجن البشر غير مستحيلة ، والجن أجسام لطيفة والجسم ، وإن لطف فدركه غير ممتنع أصلاً ، وأما قوله تعالى : * ( إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم ) * ( الأعراف : 72 ) فإن ذلك حكم الأعم الأغلب من أحوال بني آدم ، امتحنهم ا بذلك وابتلاهم ليفزعوا إليه ويستعيذوا به من شرهم ، ويطلبون الأمان من غائلتهم ، ولا ينكر أن يكون حكم الخاص والنادر من المصطفين من عباده بخلاف ذلك ، وقال الكرماني : لا حاجة إلى هذا التأويل ، إذ ليس في الآية ما ينفي رؤيتنا إياهم مطلقاً ، إذ المستفاد منها أن رؤيته إيانا مقيدة من هذه الحيثية ، فلا نراهم في زمان رؤيتهم لنا قط ، ويجوز رؤيتنا لهم في غير ذلك الوقت . الثانية : فيه دليل على أن الجن ليسوا باقين على عنصرهم الناري ، ولأنه ، قال : ( إن عدو ا إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي ) . وقال : ( رأيت ليلة أسري بي عفريتاً من الجن يطلبني بشعلة من نار كلما التفت إليه رأيته ) . ولو كانوا باقين على عنصرهم الناري ، وأنهم نار محرقة ، لما احتاجوا إلى أن يأتي الشيطان أو العفريت منهم بشعلة من نار ، ولكانت يد الشيطان أو العفريت أو شيء من أعضائه إذا مس ابن آدم أحرقه ، كما تحرق الآدمي النارُ الحقيقية بمجرد اللمس ، فدل على أن تلك النارية انغمرت في سائر العناصر