العيني

229

عمدة القاري

أن يكون اللفظ على معناه الحقيقي ، ويكون المعنى أنه : لما سمع صوتهما خرج من البيت لأجلهما ومر بهما . والأحاديث يفسر بعضها بعضاً ، ولا سيما في حديث واحد روي بوجوه مختلفة . وفي رواية الطبراني : من حديث زمعة بن صالح عن الزهري عن ابن كعب بن مالك عن أبيه : ( أن النبي مر به وهو ملازم رجل في أوقيتين ، فقال له النبي : هكذا يضع الشطر ، وقال الرجل : نعم يا رسول ا ، فقال : أدِّ إليه ما بقي من حقه ) . قوله : ( سجف حجرته ) ، بكسر السين المهملة وفتحها بعدها جيم ساكنة ، وقال ابن سيده : هو الستر ، وقيل : هو الستران المقرونان بينهما فرجة ، وكل باب ستر بسترين مقرونين فكل شق منه سجف ، والجمع أسجاف وسجوف ، وربما قالوا : السجاف والسجف والسجيف إرخاء السجف . زاد في ( المخصص ) و ( الجامع ) : وبيت مسجف . وفي ( الصحاح ) : أسجف الستر أي أرسلته . وقال عياض وغيره : لا يسمى سجفاً إلاَّ أن يكون مشقوق الوسط كالمصراعين . قلت : الذي قاله ابن سيده يرده . قوله ؛ ( لبيك ) ، تثنية . للبَّا ، وهو الإقامة وهو مفعول مطلق يجب حذف عامله ، وهو من باب الثنائي الذي للتأكيد والتكرار ومعناه : لباً بعد لبٍ أي : أنا مقيم على طاعتك . قوله : ( ضع ) ، على وزن : فع ، أمر من : وضع يضع . قوله : ( أي الشطر ) تفسير لقوله : هذا ، أي : ضع عنه الشطر أي : النصف . وجاء لفظ : النصف ، مصرحاً في رواية الأعرج على ما يجيء إن شاء ا تعالى ، وهو منصوب لأنه تفسير للمنصوب ، وهو قوله : هذا ، لأنه منصوب بقوله : ضع . قوله : ( لقد فعلت ) مبالغة في امتثال الأمر لأنه أكد فعلت : باللام ، وكلمة ؛ قد ، وفيه معنى القسم أيضاً . قوله : ( قم ) ، خطاب لابن أبي حدرد . قوله : ( فاقضه ) أمر على جهة الوجوب ، لأن رب الدين لما أطاع بوضع ما أمر به تعين على المديان أن يقوم بما بقي عليه لئلا يجتمع على رب الدين وضيعة ومطل . ذكر ما يستنبط منه من الأحكام فيه : إشارة إلى أنه لا يجتمع الوضيعة والمطل ، لأن صاحب الدين يتضرر كما ذكرنا . وفيه : المخاصمة في المسجد في الحقوق ، والمطالبة بالديون ، قاله ابن بطال . وفيه : دليل على إباحة رفع الصوت في المسجد ما لم يتفاحش لعدم الإنكار منه عليه الصلاة والسلام ، وقد أفرد له البخاري باباً يأتي عن قريب ، إن شاء ا تعالى فإن قلت : قد ورد في حديث واثلة من عند ابن ماجة يرفعه : ( جنبوا مساجدكم صبيانكم وخصوماتكم ) ، وحديث مكحول من عند أبي نعيم الأصبهاني عن معاذ مثله ، وحديث جبير بن مطعم ، ولفظه : ( ولا ترفع فيه الأصوات ) ، وكذا حديث ابن عمر من عند أبي أحمد . قلت : أجيب : بأن هذه الأحاديث ضعيفة ، فبقي الأمر على الإباحة من غير معارض ، ولكن هذا الجواب لا يعجبني لأن الأحاديث الضعيفة تتعاضد وتتقوى إذا اختلفت طرقها ومخارجها ، والأولى أن يقال : أحاديث المنع محمولة على ما إذا كان الصوت متفاحشاً ، وحديث الإباحة محمول على ما إذا كان غير متفاحش . وقال مالك : لا بأس أن يقضي الرجل في المسجد ديناً ، وأما التجارة والصرف فلا أحبه . وفيه : جواز الاعتماد على الإشارة لقوله : هكذا ، أي : الشطر ، وأنها بمنزلة الكلام إذا فهمت لدلالتها عليه ، فيصح على هذا يمين الأخرس وشهادته ولعانه وعقوده إذا فهم عنه ذلك . وفيه : إشارة الحاكم إلى الصلح على جهة الإرشاد ، وههنا وقع الصلح على الإقرار المتفق عليه ، لأن نزاعهما لم يكن في الدين وإنما كان في التقاضي . وأما الصلح على الإنكار فأجازه أبو حنيفة ومالك ، وهو قول الحسن . وقال الشافعي : هو باطل ، وبه قال ابن أبي ليلى . وفيه : الملازمة للاقتضاء . وفيه : الشفاعة إلى صاحب الحق والإصلاح بين الخصوم وحسن التوسط بينهم . وفيه : قبول الشفاعة في غير معصية . وفيه : إرسال الستور عند الحجرة . 27 ( ( بابُ كَنْسِ المَسْجِدِ والْتِقَاطِ الخِرَقِ والقَذَى وَالعِيدَانِ مِنْهُ ) ) أي : هذا باب في بيان فضل كنس المسجد ، وهو إزالة الكناسة منه ، والالتقاط هو أن تعثر على شيء من غير قصد وطلب ، و : الخرق ، بكسر الخاء وفتح الراء جمع : خرقة ، و : القذى ، بفتح القاف والذال المعجمة جمع : قذاة ، وجمع الجمع : أقذية . قال الجوهري : القذى في العين والشراب : ما يسقط فيه ، قلت : المراد منه ههنا كسر الأخشاب والقش ونحو ذلك ، و : العيدان ، جمع : عود ، وهو الخشب . قوله : ( منه ) ليس في أكثر النسخ ، ولكن بقدر فيه ، وهو يتعلق بالالتقاط .