العيني
223
عمدة القاري
أعطيتها ) مقول القول ، التاء : في شئت وأعطيت ، مكسورة لأنها خطاب لعائشة . قوله : ( ما بقي ) أي : الذي بقي من مال الكتابة في ذمة بريرة ، ومحل هذه الجملة النصب لأنها وقعت مفعولاً ثانياً لقوله ؛ أعطيتها ، ومفعوله الأول الضمير المنصوب في : أعطيتها . قوله : ( وقال سفيان ) ، هو ابن عيينة أحد الرواة المذكورين في الحديث ، وأشار به إلى أن سفيان حدث به . على وجهين : فمرة قال : إن شئت أعطيتها ما بقي ، ومرة قال : إن شئت أعتقتها ، ويكون الولاء لنا ، يعني في الوجهين ، و : التاء ، في أعتقتها مكسورة لأنها خطاب لعائشة . وقوله : ( قال سفيان ) داخل في الموصول غير معلق . فافهم فإن قلت : كم كان مال الكتابة على بريرة ؟ قلت : ذكر ف باب الكتابة من حديث يونس عن الزهري عن عروة : ( عن عائشة قالت : إن بريرة دخلت عليها تستعينها في كتابتها وعليها خمس أواق نجمت عليها في خمس سنين . . . ) الحديث فإن قلت : ذكر في باب سؤال الناس : ( كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية فأعينيني ، فقال : خذيها فأعتقيها واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق ) ، فبين الروايتين تعارض . قلت : هذا الحديث أصح لاتصاله ولانقطاع ذاك ، ولأن راوي هذا عن أمه وهو أعرف بحديث أمه وخالته ، وقيل : يحتمل أن تكون هذه الخمسة الأواق التي قد استحقت عليها بالنجوم من جملة التسعة ، أو أنها أعطت نجوماً وفضل عليها خمسة ، قلت : هذا يرده ما رواه البخاري في الشروط : في البيع ، ولم تكن قضت من كتابتها شيئاً . والأواق جمع : أوقية ، بضم الهمزة وتشديد الياء ، والجمع يشدد ويخفف مثل : أثفية وأثافي وأثافٍ ، وربما يجيء في الحديث : وقية ، وليست بالعالية وهمزتها زائدة ، وكانت الأوقية قديماً عبارة عن أربعين درهماً ، ثم أنها تختلف باختلاف اصطلاح البلاد . قوله : ( ذكرته ) ، قال الكرماني : ذكرته ، بلفظ التكلم ، والمتكلم به عائشة ، والراوي نقل لفظها بعينه ، وبالغيبة : كأن عائشة جردت من نفسها شخصاً فحكت عنها ، فالأول : حكاية الراوي عن لفظ عائشة ، والثاني : حكاية عائشة عن نفسها . انتهى . وقال بعضهم : ( ذكرته ذلك ) ، كذا وقع هنا بتشديد الكاف ، فقيل : الصواب ما وقع في رواية مالك وغيره بلفظ : ذكرت ، لأن التذكير يستعدي سبق علم بذلك ، ولا يتجه تخطئة هذه الرواية لاحتمال السبق على وجه الإجمال قلت : لم يبين أحد منهما راوي التشديد ولا راوي التخفيف ، واللفظ يحتمل أربعة أوجه . الأول : ذكرته ، بالتشديد وبالضمير المنصوب . والثاني : ذكرت ، بالتشديد بدون الضمير المنصوب . والثالث : ذكرت ، على صيغة الماضي للمؤنثة الواحدة بالتخفيف بدون الضمير . والرابع : ذكرته بالتخفيف ، والضمير لأن ذكر بالتخفيف يعدى يقال : ذكرت الشيء بعد النسيان ، وذكرته بلساني وبقلبي وتذكرته وأذكرته غيري وذكرته ، بمعنى . قوله : ( فقال ابتاعيها ) أي : قال النبي لعائشة : اشتريها ، أي : بريرة . قوله : ( وقال سفيان مرة فصعد رسول ا ) أراد أنه روي بوجهين : مرة قال : ثم قام رسول الله على المنبر ، ومرة قال : فصعد رسول الله على المنبر ، وذكر في باب الشراء والبيع مع النساء ، قال لي النبي : ( اشتري واعتقي فإنما الولاء لمن أعتق ، ثم قام من العشي فأثنى على ا بما هو أهله . . . ) الحديث . قوله : ( ما بال أقوام ؟ ) أي : ما حالهم ؟ وفي باب الشراء والبيع مع النساء : ( ما بال أناس يشترطون شروطاً . . . ؟ ) الحديث . قوله : ( ليست في كتاب ا تعالى ) ، أي : الشروط ، ويروى : ليس ، بالتذكير ، ووجهه إما باعتبار جنس الشرط ، أو باعتبار المذكور . وقال الكرماني : إما باعتبار الاشتراط . قلت : فيه نظر لا يخفى ، والمراد : من كتاب ا ، قال الشيخ تقي الدين : يحتمل أن يريد بكتاب ا ، حكم ا ، ويراد بذلك نفي كونها في كتاب ا بواسطة أو بغير واسطة ، فإن الشريعة كلها في كتاب ا ، أما بغير واسطة كمالنصوصات في القرآن من الأحكام ، وأما بواسطة قوله تعالى : * ( وما آتاكم الرسول فخذوه ) * ( الحشر : 7 ) * ( وأطيعوا ا وأطيعوا الرسول ) * ( المائدة : 29 ، والنور : 452 ، والتغابن : 21 ) قال الخطابي : ليس المراد أن ما لم ينص عليه في كتاب ا فهو باطل ، فإن لفظ : ( الولاء لمن أعتق ) ، من قوله ، لكن الأمر بطاعته في كتاب ا ، فجاز إضافة ذلك إلى الكتاب انتهى . ويجوز أن يكون المراد بكتاب ا : حكم ا سواء ذكر في القرآن أو السنة ، وقيل : المراد من الكتاب : المكتوب ، يعني المكتوب في اللوح المحفوظ . قوله : ( فليس له ) أي : ذلك الشرط ، أي : لا يستحقه . وفي رواية النسائي : ( من شرط شرطاً ليس في كتاب ا لم يجز له ) . قوله : ( وإن اشترط مائة مرة ) ، ذكر المائة للمبالغة في الكثرة ، لا أن هذا العدد بعينه هو المراد . وقال بعضهم ؛ لفظ مائة للمبالغة ، فلا مفهوم له ، قلت : لم يدر هذا القائل أن مفهوم اللفظ في اللغة هو معناه ، فعلى قوله يكون هذا اللفظ مهملاً وليس كذلك ، وإن كان قال ذلك على رأي الأصوليين حيث فرقوا بين