العيني
207
عمدة القاري
من المال لم يغير المسجد عن بنيانه الذي كان عليه في عهد النبي ، ثم جاء الأمر إلى عثمان والمال في زمانه أكثر ولم يزد على أن يجعل مكان اللبن حجارة وقصة وسقفه بالساج مكان الجريد ، فلم يقصر هو وعمر رضي ا عنهما ، عن البلوغ في تشييده إلى أبلغ الغايات ، إلاَّ عن علمهما بكراهة النبي ذلك ، وليقتدي بهما في الأخذ من الدنيا بالقصد والزهد والكفاية في معالي أمورها وإيثار البلغة منها . قلت : أول من زخرف المساجد الوليد بن عبد الملك بن مروان ، وذلك في أواخر عصر الصحابة رضي ا تعالى عنهم ، وسكت كثير من أهل العلم عن إنكار ذلك خوفاً من الفتنة . وقال ابن المنير : لما شيد الناس بيوتهم وزخرفوها فانتدب أن يصنع ذلك بالمساجد صوناً لها عن الاستهانة . وقال بعضهم : ورخص في ذلك بعضهم ، وهو قول أبي حنيفة إذا وقع ذلك على سبيل التعظيم للمساجد ، ولم يقع الصرف على ذلك من بيت المال . قلت : مذهب أصحابنا أن ذلك مكروه ، وقول بعض أصحابنا : ولا بأس بنقش المسجد ، معناه : تركه أولى ، وقد مر الكلام فيه عن قريب . 36 ( ( بابُ التَّعَاوُنِ في بِنَاءِ المَسْجِدِ ) ) أي : هذا باب في بيان تعاون الناس بعضهم بعضاً في بناء المسجد ، وأشار بهذا إلى أن في ذلك أجراً ، ومن زاد في عمله في ذلك زاد في أجره ، وفي بعض النسخ : في باء المساجد ، بلفظ الجمع . وَقَوْلُ اللَّهِ * ( ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلَى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمَالُهُمْ وفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ . إِنَّما يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ باللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَى إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أولَئِكَ أنْ يَكونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ ) * ( التوبة : 71 81 ) . 13 50 كذا في رواية الأكثرين ، وفي رواية أبي ذر : ( * ( ما كان للمشركين إن يعمروا مساجد ا ) * ) إلى قوله : * ( المهتدين ) * ( التوبة : 71 81 ) ولم يقع في روايته لفظ : وقول ا عز وجل . وسبب نزول هذه الآية أنه لما أسر العباس ، رضي ا تعالى عنه ، يوم بدر ، أقبل عليه المسلمون فعيرونه بالكفر وأغلظ له علي رضي ا تعالى عنه ، فقال العباس : ما لكم تذكرون مساوينا دون محاسننا ؟ فقال له لي ألكم محاسن ؟ قال ؛ نعم إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحاج ونفك العاني ، فأنزل ا تعالى هذه الآية . وقال بعضهم في توجيه ذكر البخاري هذه الآية ههنا وذكره هذه الآية مصير منه إلى ترجيح أحد الاحتمالين من أحد الاحتمالين ، وذلك أن قوله تعالى : * ( مساجد ا ) * ( التوبة : 71 81 ) يحتمل أن يراد بها مواضع السجود ، ويحتمل أن يراد بها الأماكن المتخذة لإقامة الصلاة ، وعلى الثاني يحتمل أن يراد بعمارتها بنيانها ، ويحتمل أن يراد الإقامة فيها لذكر ا تعالى قلت : هذا الذي قاله هذا القائل لا يناسب معنى هذه الآية أصلاً ، وإنما يناسب معنى قوله تعالى : * ( إنما يعمر مساجد ا من آمن با واليوم الآخر . . . ) * ( التوبة : 81 ) الآية ، على أن أحداً من المفسرين لم يذكر هذا الوجه الذي ذكره هذا القائل ، وإنما هذا تصرف منه بالرأي في القرآن فلا يجوز ذلك ، ويجب الإعراض عن هذا . قال المفسرون : معنى هذه الآية : ما ينبغي للمشركين با أن يعمروا مساجد ا التي بنيت على اسمه وحده لا شريك له ، ومن قرأ مسجد ا أراد به المسجد الحرام ، أشرف المساجد في الأرض التي بنى من أول يوم على عبادة ا تعالى وحده لا شريك له ، وأسسه خليل الرحمن عليه الصلاة والسلام ، هذا وهم شاهدون على أنفسهم بالكفر . وقال الزمخشري : أما القراءة بالجمع ففيها وجهان : أحدهما : أن يراد به المسجد الحرام ؟ وإنما قيل : مساجد ا لأنه قبلة المساجد كلها ، وإمامها ، فعامره كعامر جميع المساجد ، ولأن كل بقعة منه مسجد . والثاني : أن يراد به جنس المساجد ، فإذا لم يصلحوا أن يعمروا جنسها دخل تحت ذلك أن لا يعمروا المسجد الحرام الذي هو صدر الجنس ومقدمته ، وهو آكد ، لأن طريقه طريق الكناية ، كما لو قلت : فلان لا يقرأ كتب ا ، كنت أنفى لقراءة القرآن من تصريحك بذلك ، ثم إن البخاري ذكر هذه الآية من جملة الترجمة وحديث الباب لا يطابقها ، ولو ذكر قوله تعالى : * ( إنما يعمر مساجد ا من آمن با . . . ) * ( التوبة : 81 ) الآية لكان أجدر وأقرب للمطابقة ولكن يمكن أن يوجه ذلك وإن كان فيه بعض تعسف ، وهو أن يقال : إنه أشار به إلى أن التعاون في بناء المساجد المعتبر الذي فيه الأجر إنما كان للمؤمنين ، ولم يكن ذلك للكافرين ، وإن كانوا بنوا