العيني

184

عمدة القاري

لقوم ، ولا حكم ما أري ليخبرهم كحكم من وضع الشيء بين يديه أو رآه قائماً موضوعاً ، فجعله أمام مصلاه وقبلته . الوجه الثاني : ما ذكره السفاقسي : ليس فيه ما بوب عليه لأنه لم يفعله مختاراً ، وإنما عرض ذلك لمعنى أراده ا تعالى ، ورؤيته للنار رؤية عين كشف ا عنها ، فأراه إياها ، وكذلك الجنة كما كشف له عن المسجد الأقصى . الوجه الثالث : ما ذكره القاضي السروجي في ( شرح الهداية ) فقال : لا دلالة في هذا الحديث على عدم الكراهة ، لأنه ، قال : أُريت النار ، ولا يلزم أن تكون أمامه متوجهاً إليها ، بل يجوز أن تكون عن يمينه أو عن يساره أو غير ذلك . الوجه الرابع : ما ذكره هو أيضاً ، فقال : ويحتمل أن يكون ذلك وقع له قبل شروعه في الصلاة . انتهى . قلت : قد تصدى بعضهم في نصرة البخاري فأجاب عن هذين الوجهين بجواب تمجه الأسماع وتستمجه الطباع ، وهو أن البخاري كوشف بهذا الاعتراض فعجل بالجواب عنه حيث صدر الباب بالمعلق عن أنس ، ففيه : ( عرضت علي النار وأنا أصلي ) . وأما كونه رآها أمامه فسياق حديث ابن عباس يقتضيه ، ففيه أنهم قالوا له بعد أن انصرف : ( يا رسول ا رأيناك تناولت شيئاً في مقامك ثم رأيناك تكعكعت ) أي : تأخرت إلى خلف ، وفي جوابه أن ذلك بسبب كونه أرى النار انتهى . فانظر إلى هذا الأمر الغريب العجيب ، شخص يكاشف اعتراض شخص يأتي من بعده بمدة مقدار خمسمائة سنة أو أكثر بقليل ، ويجيب عنه بتصدير هذا الباب الذي فيه حديث أنس معلقاً ، وحديث ابن عباس موصولاً ، ومع هذا لا يتم الجواب بما ذكره ، ولا يتم الاستدلال به للبخاري . بيان ذلك أن قوله : ( وأنا أصلي ) ، في حديث أنس ، يحتمل أن يكون المعنى : وأنا أريد الصلاة ، ولا مانع من هذا التقدير . وأما تناوله الشيء وتأخره إلى خلف في حديث ابن عباس لا يستلزم أن يكون ذلك بسبب رؤيته النار أمامه ، ولا يستحيل أن يكون ذلك بسبب رؤيته إياها عن يمينه أو عن شماله . وقوله وفي جوابه : إن ذلك بسبب كونه أري النار ، مسلم إن ذلك كان بسبب كونه أري النار ، ولكن لا نسلم أنه كان ذلك بسبب كون رؤيته النار أمامه ، ولئن سلمنا جميع ذلك فنقول : لنا جوابان آخران غير الأربعة المذكورة : أحدهما : أنه أريها في جهنم وبينه وبينها ما لا يحصى من بعد المسافة ، فعدم كراهة صلاته لذلك . والآخر : يجوز أن يكون ذلك منه رؤية علم ووحي باطلاعه وتعريفه في أمورها ، تفصيلاً ما لم يعرفه قبل ذلك . وجواب آخر : ذكره ابن التين ، وقال : لا حجة فيه على الترجمة ، لأنه لم يفعل ذلك اختياراً ، وإنما عرض عليه ذلك للمعنى الذي أراده ا من تنبيهه للعباد ، وقال بعضهم : وتعقب بأن الاختيار وعدمه في ذلك سواء منه قلت : لا نسلم التسوية ، فإن الكراهة تتأكد عند الاختيار ، وأما عند عدمه فلا كراهة لعدم العلة الموجبة للكراهة ، وهي التشبه بعبدة النار . وقال ابن بطال : الصلاة جائزة إلى كل شيء إذا لم يقصد الصلاة إليه وقصد بها ا تعالى ، والسجود لوجهه خالصاً . ولا يضره استقبال شيء من المعبودات وغيرها ، كما لم يضر النبي ، صلى ا تعالى عليه وسلم ، ما رآه في قبلته من النار . قوله : ( وقدامه تنور ) جملة اسمية وقعت حالاً . فقوله : ( تنور ) مبتدأ ، و ( قدامه ) بالنصب على الظرف خبره ، و : التنور ، بفتح التاء المثناة من فوق وضم النون المشددة ، وقال الكرماني : حفيرة النار : قلت : التنور مشهور ، وهو تارة يحفر في الأرض حفيرة ، وتارة يتخذ من الطين ويدفن في الأرض وتوقد فيه النار إلى أن يحمى فيخبز فيه ، وتارة يطبخ فيه ، فقيل : هو عربي ، وقيل : معرب توافقت عليه العرب والعجم . قوله : ( أو نار ) ، عطف على قوله : ( تنور ) . فإن قلت : هذا يغني عن ذكر التنور . قلت : هذا من عطف العام على الخاص ، وفائدته الاهتمام به لأن عبدة النار من المجوس لا يعبدون إلاَّ النار المكومة الظاهرة ، وربما لا تظهر النار من التنور لعمقه أو لقلة النار . قوله : ( أو شيء مما يعبد ) عطف على ما قبله ، والتقدير أو : من صلى وقدامه شيء مما يعبد كالأوثان والأصنام والتماثيل والصور ونحو ذلك مما يعبده أهل الضلال والكفر ، وهذا أعم من النار والتنور . قوله : ( فأراد به وجه ا ) أي : فأراد المصلي الذي قدامه شيء من هذه الأشياء ذات ا تعالى ، وأشار بهذا إلى أن الصلاة إلى شيء من الأشياء التي ذكرها لا تكون مكروهة إذا قصد به وجه ا تعالى ، ولم يقصد الصلاة إليه . وعند أصحابنا يكره ذلك مطلقاً لما فيه من نوع التشبه بعبدة الأشياء المذكورة ظاهراً ، وروى ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) عن ابن سيربن أنه كره الصلاة إلى التنور ، وقال : بيت نار . وقالَ الزُّهْرِيُّ أخبرني أَنَسٌ قال قال النبي عُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ وَأنَا أصلِّي