العيني
181
عمدة القاري
عبد اللَّه بن عمر يقول : سمعت رسول ا ، صلى ا تعالى عليه وسلم ، يقول : ( توضأوا من لحوم الإبل ) . الحديث . وفيه : ( ولا تصلوا في معاطن الإبل ) . وذكر الطبراني في ( الأوسط ) حديث أسيد بن حضير . قال : قال رسول ا ، صلى ا تعالى عليه وسلم : ( توضأوا من لحوم الإبل ولا تصلوا في مناخها ) . وأخرج أيضاً في ( الكبير ) حديث سليك الغطفاني عن النبي يعلى في ( مسنده ) حديث طلحة بن عبيد اللَّه ، قال : ( كان رسول الله يتوضأ من ألبان الإبل ولحومها ولا يصلي في أعطانها ) . وذكر أحمد في ( مسنده ) حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص أن النبي : ( كان يصلي في مرابض الغنم ولا يصلي في مرابد الإبل والبقر ) وأخرجه الطبراني في ( الكبير ) أيضاً ولفظه : ( لا تصلوا في أعطان الإبل وصلوا في مراح الغنم ) . وذكر الطبراني أيضاً ، من حديث عقبة بن عامر في ( الكبير ) و ( الأوسط ) عن النبي قال : ( صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل أو في مبارك الإبل ) . وذكر أحمد والطبراني أيضاً حديث يعيش الجهني المعروف بذي الغرة من رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى عنه ، قال : ( عرض أعرابي لرسول ا ) . الحديث ، وفيه : ( تدركنا الصلاة ونحن في أعطان الإبل فنصلي فيها ؟ فقال رسول ا : لا ) . وأخرجه أحمد أيضاً . . فهذا كما رأيت وقع في موضع : مبارك الإبل ، وفي موضع : أعطان الإبل ، وفي موضع : مناخ الإبل ، وفي موضع : مرابد الإبل . ووقع عند الطحاوي في حديث جابر بن سمرة : ( أن رجلاً قال : يا رسول ا أصلي في مباءة الغنم ؟ قال : نعم ، قال : أصلي في مباءة الإبل ؟ قال : لا ، والمباءة المنزل الذي تأوي إليه الإبل ) . والأعطان جمع عطن وقد فسرناه ، والمبارك جمع مبرك وهو موضع بروك الجمل في أي موضع كان ، والمناخ ، بضم الميم وفي آخره خاء معجمة : المكان الذي تناخ فيه الإبل ، والمرابد هي ، بالدال المهملة : الأماكن التي تحبس فيها الإبل وغيرها من البقر والغنم . وقال ابن حزم : كل عطن فهو مبرك ، وليس كل مبرك عطناً ، لأن العطن هو الموضع الذي تناخ فيه عند ورودها الماء فقط ، والمبرك أعم ، لأنه الموضع المتخذ له في كل حال ، فإذا كان كذلك تكره الصلاة في مبارك الإبل ومواضعها ، سواء كانت عطناً أو مناخاً أو مباءةً أو مرابد أو غير ذلك . فدل هذا كله أن علة النهي فيه كونها خلقت من الشياطين ولا سيما فإنه علل ذلك بقوله : ( فإنها خلقت من الشياطين ) ، وقد مر في رواية أبي داود : ( فإنها من الشياطين ) ، وفي راوية ابن ماجة : ( فإنها خلقت من الشياطين ) ، فهذا يدل على أن الإبل خلقت من الجن ، لأن الشياطين من الجن على الصحيح من الأقوال ، وعن هذا قال يحيى بن آدم : جاء النهي من قبل أن الإبل يخاف وثوبها فتعطب من تلاقي حينئذٍ ألا ترى أنه يقول : إنها جن ، ومن جن خلقت ، واستصوب هذا أيضاً القاضي عياض . وذكروا أيضاً أن علة النهي فيه من ثلاثة أوجه أخرى : أحدها : من شريك بن عبد اللَّه أنه كان يقول : نهي عن الصلاة في أعطان الإبل لأن أصحابها من عادتهم التغوط بقرب إبلهم والبول ، فينجسون بذلك أعطان الإبل ، فنهى عن الصلاة فيها لذلك ، لا لعلة الإبل ، وإنما هو لعلة النجاسة التي تمنع من الصلاة في أي موضع ما كانت ، بخلاف مرابض الغنم ، فإن أصحابها من عادتهم تنظيف مواضعهم وتترك البول فيها والتغوط ، فأبيحت الصلاة في مرابضها لذلك ، وهذا بعيد جداً مخالف لظاهر الحديث . والوجه الثاني : أن علة النهي هي كون أبوالها وأرواثها في معاطنها ، وهذا أيضاً بعيد أيضاً لأن مرابض الغنم تشركها في ذلك . والوجه الثالث : ذكره يحيى بن آدم . أن العلة في اجتناب الصلاة في معاطن الإبل : الخوف من قبلها ، كما ذكرناه الآن ، بخلاف الغنم ، لأنه لا يخاف منها ما يخاف من الإبل . وقال الطحاوي : إن كانت العلة هي ما قال شريك فإن الصلاة مكروهة حيث يكون الغائط والبول سواء كان عطنا أو غيره ، وإن كان ما قاله يحيى ، فإن الصلاة مكروهة حيث يخاف على النفوس ، سواء كان عطناً أو غيره ، وغمز بعضهم في الطحاوي بقوله : قال إن النظر يقتضي عدم التفرقة بين الإبل والغنم في الصلاة وغيرها ، كما هو مذهب أصحابه ، وتعقب بأنه مخالف للأحاديث الصحيحة المصرحة بالتفرقة ، فهو قياس فاسد الاعتبار . قلت : هذا الكلام فاسد الاعتبار لأن الطحاوي ما قال قط : إن النظر يقتضي عدم التفرقة ، وإنما قال : حكم هذا الباب من طريق النظر أنا رأيناهم لا يختلفون في مرابض الغنم أن الصلاة فيها جائزة ، وإنما اختلفوا في أعطان الإبل ، فقد رأينا حكم لحمان الإبل كحكم لحمان الغنم في طهارتها ، ورأينا حكم أبوالها كحكم أبوالها في طهارتها أو نجاستها ، فكان يجيء في النظر أيضاً أن يكون حكم الصلاة في مواضع الإبل