العيني

16

عمدة القاري

ذكر استنباط الأحكام منه : منها : ما قال ابن التين ، قال بعضهم : يستنبط منه جواز التيمم في الحضر ، وعليه بوب البخاري ، وقال بعضهم : فيه التيمم للحضر إلاَّ أنه لا دليل فيه أنه رفع بذلك التيمم الحدث رفعاً استباح به الصلاة ، لأنه إنما فعله كراهة أن يذكر ا على غير طهارة ، كذا رواه حماد في ( مصنفه ) وقال ابن الجوزي : كره أن يرد عليه السلام ، لأنه اسم من أسماء ا تعالى ، أو يكون هذا في أول الأمر ثم استقر الأمر على غير ذلك . وفي ( شرح الطحاوي ) حديث المنع من رد السلام منسوخ بآية الوضوء ؛ وقيل : بحديث عائشة رضي ا تعالى عنها : كان يذكر ا على كل أحيانه ، وقد جاء ذلك مصرحاً به في حديث رواه جابر الجعفي عن عبد ا بن محمد بن أبي بكر بن حزم عن عبد ا بن علقمة بن الغفراء عن أبيه قال : ( كان النبي إذا أراد الماء نكلمه فلا يكلمنا ونسلم عليه فلا يسلم علينا حتى نزلت آية الرخصة * ( يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ) * ( النساء : 34 ، والمائدة : 6 ) وقال ابن دقيق العيد : هذا الحديث يعني حديث المهاجر بن قنفذ معلول ومعارض ، أما كونه معلولاً فلأن سعيد بن أبي عروبة كان قد اختلط في آخر عمره ، فيراعى فيه سماع من سمع منه قبل الاختلاط ، وقد رواه النسائي من حديث شعبة عن قتادة به وليس فيه أنه لم يمنعني إلى آخره ، ورواه حماد بن سلمة عن حميد وغيره عن الحسن عن مهاجر منقطعاً ، فصار فيه ثلاث علل . ب 05 2 وأما كونه معارضاً ، فما رواه البخاري ومسلم من حديث كريب عن ابن عباس . قال : ( بت عند خالتي ميمونة ) . الحديث ، ففي هذا ما يدل على جواز ذكر اسم ا وقراءة القرآن مع الحدث ، وزعم الحسن أن حديث مهاجر غير منسوخ ، وتمسك بمقتضاه ، فأوجب الطهارة للذكر ، وقيل : يتأول الخبر على الاستحباب ، لأن ابن عمر : ممن روى في هذا الباب ، كما ذكرناه عن قريب روى ذلك ، والصحابي الراوي أعلم بالمقصود . ومنها : أنه استدل به بعض أصحابنا على جواز التيمم على الحجر ، قال : وذلك لأن حيطان المدينة مبنية بحجارة سود . وقال ابن بطال ، في تيمم النبي بالجدار رد على الشافعي في اشتراط التراب ، لأنه معلوم أنه لم يعلق به تراب ، إذ لا تراب على الجدار . وقال الكرماني : أقول ليس فيه رد على الشافعي إذ ليس معلوماً أنه لم يعلق به تراب ، وما ذاك إلاَّ تحكم بارد إذ الجدار قد يكون عليه التراب وقد لا يكون ، بل الغالب وجود الغبار على الجدار ، مع أنه قد ثبت أنه حت الجدار بالعصا ثم تيمم ، فيجب حمل المطلق على المقيد . انتهى . قلت : الجدار إذا كان من حجر لا يحتمل التراب لأنه لا يثبت عليه ، خصوصاً جدران المدينة ، لأنها من صخرة سوداء . وقوله ؛ مع أنه ثبت . . . الخ ، ممنوع لأن حت الجدار بالعصا رواه الشافعي عن إبراهيم بن محمد كما ذكرناه عن قريب ، وهو حديث ضعيف . فإن قلت : حسنه البغوي كما ذكرنا . قلت : كيف حسنه وشيخ الشافعي وشيخ شيخه ضعيفان لا يحتج بهما ؟ قاله مالك وغيره ، وأيضاً فهو منقطع ، لأن ما بين الأعرج وأبي جهيم عمير كما سبق من عند البخاري وغيره ، ونص عليه أيضاً البيهقي وغيره ، وفيه علة أخرى وهي زيادة حك الجدار لم يأت بها أحد غير إبراهيم ، والحديث رواه جماعة كما ذكرناه وليس في حديث أحدهم هذه الزيادة ، والزيادة إنما تقبل من ثقة ، ولو وقف الكرماني على ما ذكرنا لما قال : مع أنه قد ثبت أنه ، حت الجدار بالعصا . ومنها : أنه استدل به الطحاوي على جواز التيمم للجنازة عند خوف فواتها ، وهو قول الكوفيين والليث والأوزاعي ، لأنه ، تيمم لرد السلام في الحضر لأجل فوت الرد ، وإن كان ليس شرطاً ، ومنع مالك والشافعي وأحمد ذلك وهو حجة عليهم . ومنها : أن فيه دلالة على جواز التيمم للنوافل كالفرائض ؛ وقال صاحب ( التوضيح ) : وأبعد من خصه من أصحابنا بالفرائض . ومنها : أن التيمم مسح الوجه واليدين ، لقوله : فمسح بوجهه ويديه . فإن قلت : أطلق يديه فيتناول إلى الكفين وإلى المرفقين وإلى ما وراء ذلك . قلت : المراد منه ذراعيه ، ويفسره رواية الدارقطني وغيره في هذا الحديث : فمسح بوجهه وذراعيه ، وفيه خلاف بين العلماء ، وسيأتي بيانه إن شاء ا تعالى عن قريب . 4 ( ( باب المُتَيَمِّمُ هَلْ يَنْفُخُ فِيهِمَا ) ) أي : هذا باب يذكر فيه المتيمم : هل ينفخ فيهما ؟ أي : في اليدين . وقال الكرماني : وفي بعض النسخ : هل ينفح في يديه بعدما يضرب بهما الصعيد للتيمم ؟ وإنما أورده بلفظ الاستفهام على سبيل الاستفسار ، لأن نفخه ، في يديه في التيمم على ما يأتي في حديث الباب يحتمل وجوهاً ثلاثة : الأول : أن يكون لشيء علق بيديه فخشي عليه السلام ، أن يصيب