العيني

149

عمدة القاري

مطابقته للترجمة ظاهرة ، وهذا الإسناد بعينه تقدم في باب خوف المؤمن أن يحبط عمله . ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضاً في باب كفارة البزاق في المسجد ، وفي باب إذا بدره البزاق وفي باب لا يبصق عن يمينه في الصلاة ، وفي باب ليبصق عن يساره ، وفي باب ما يجوز من البزاق ، وفي باب المصلي يناجي ربه . وأخرجه مسلم أيضاً . وأخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي ، وفي هذا الباب عن أبي هريرة وأبي سعيد وعائشة يأتي عن قريب ، وحديث النسائي عن أنس قال : ( رأى رسول الله نخامة في قبلة المسجد فغضب حتى احمر وجهه ، فقامت امرأة من الأنصار فحكتها وجعلت مكانها خلوقاً ، قال رسول ا : ما أحسن هذا ) وفي كتاب ( المساجد ) لأبي نعيم : ( من ابتلع ريقه إعظاماً للمسجد ولم يمح اسماً من أسماء ا تعالى ببزاق كان من خيار عباد ا ) . وفي سنده ضرار بن عمرو ، وفيه كلام ، وذكر ابن خالويه في هذا ( أن النبي لما رأى النخامة في المحراب قال : من إمام هذا المسجد ؟ قالوا ؛ فلان . قال : قد عزلته ، فقالت امرأته : لِمَ عزل النبي زوجي عن الإمامة ؟ فقال : رأى نخامة في المسجد فعمدت إلى خلوق طيب فخلقت به المحراب ، فاجتاز عليه الصلاة والسلام بالمسجد فقال : من فعل هذا ؟ قال : امرأة الإمام قال : قد وهبت ذنبه لامرأته ورددته إلى الإمامة ) . فكان هذا أول خلوق كان في الإسلام . ذكر معناه قوله : ( نخامة ) ، بضم النون : النخاعة ، وقد ذكره البخاري بهذا اللفظ في باب الالتفات . يقال : تنخم الرجل إذا تنخع . وفي ( المطالع ) : النخامة ما يخرج من الصدر وهو البلغم اللزج . وفي ( النهاية ) : النخامة البزقة التي تخرج من الرأس . ويقال : النخامة ما يخرج من الصدر . والبصاق ما يخرج من الفم ، والمخاط ما يسيل من الأنف . قوله : ( في القبلة ) أي : في حائط من جهة قبلة المسجد . قوله : ( حتى رؤي في وجهه ) ، بضم الراء وكسر الهمزة وفتح الياء ، أي : شوهد أثر المشقة في وجهه ، وقد ذكرنا أن في رواية النسائي : ( فغضب حتى أحمَّر وجهه ) ، وللبخاري في الأدب من حديث ابن عمر : ( فتغيظ على أهل المسجد ) . قوله : ( إذا قام في صلاته ) ، الفرق بين : قام في الصلاة ، وقام إلى الصلاة ، أن الأول يكون بعد الشروع ، والثاني عند الشروع . قوله : ( فإنه ) ، الفاء : فيه جواب : إذا ، والجملة الشرطية ، قائمة مقام خبر المبتدأ . قوله : ( يناجي ربه ) ، من المناجاة . قال النووي : المناجاة إشارة إلى إخلاص القلب وحضوره وتفريغه لذكر ا تعالى . قلت : المناجاة والنجوى هو السر بين الاثنين ، يقال : ناجيته إذا ساررته ، وكذلك نجوت نجوى ، ومناجاة الرب مجاز لأن القرينة صارفة عن إرادة الحقيقة ، إذ لا كلام محسوساً ، إلاَّ من طرف العبد ، فيكون المراد لازم المناجاة وهو إرادة الخير ، ويجوز أن تكون من باب التشبيه أي : كأنه ربه ينادي ، والتحقيق فيه أنه شبه العبد وتوجهه إلى ا تعالى في الصلاة وما فيها من القراءة والأذكار وكشف الأسرار واستنزال رحمته ورأفته مع الخضوع والخشوع . بمن يناجي مولاه ومالكه ، فمن شرائط حسن الأدب أن يقف محاذيه ويطرق رأسه ولا يمد بصره إليه ويراعي جهة أمامه حتى لا يصدر من تلك الهيئات شيء وإن كان ا تعالى منزهاً عن الجهات ، لأن الآداب الظاهرة والباطنة مرتبط بعضها ببعض . قوله : ( أو أن ربه بينه وبين القبلة ) ، كذا هو بالشك في رواية الأكثرين ، وفي رواية المستملي والحموي : بواو ، العطف ولا يصح حمل هذا الكلام على ظاهره ، لأن ا تعالى منزه عن الحلول في المكان ، فالمعنى على التشبيه ، أي : كأنه بينه وبين القبلة ، وكذا معنى قوله في الحديث الذي بعده : ( فإن ا قِبَل وجهه ) . وقال الخطابي : معناه أن توجهه إلى القبلة مفض بالقصد منه إلى ربه ، فصار في التقدير كأن مقصوده بينه وبين قبلته ، فأمر أن تصان تلك الجهة عن البزاق ونحوه من أثقال البدن . قوله : ( قبل ) ، بكسر القاف وفتح الباء الموحدة . أي : جهة القبلة . قوله : ( أو تحت قدمه اليسرى ) كما في حديث أبي هريرة أي : في الباب الذي بعده ، وزاد أيضاً من طريق همام عن أبي هريرة : ( فيدفنها ) ، كما سيأتي إن شاء ا تعالى . قوله : ( ثم أخذ طرف ردائه . . . ) الخ ، فيه البيان بالفعل ليكون أوقع في نفس السامع . قوله : ( أو يفعل هكذا ) عطف على المقدر بعد حرف الاستدراك ، أي : ولكن يبزق عن يساره أو يفعل هكذا ، وليست كلمة : أو ، ههنا للشك بل للتنويع ، ومعناه أنه : مخير بين هذا وهذا . ذكر ما يستنبط منه فيه : تعظيم المساجد عن إثقال أبدن ، وعن القاذورات بالطريق الأولى . وفيه : احترام جهة القبلة . وفيه : إزالة البزاق وغيره من الأقذار من المسجد . وفيه : أنه إذا بزق يبزق عن يساره ولا يبزق أمامه تشريفاً