العيني
139
عمدة القاري
أحكام الشرع من أفعاله وعاداته وأذكار قلبه ، فجوزه الجمهور . وأما السهو في الأقوال البلاغية فأجمعوا على منعه كما أجمعوا على امتناع تعمده . وأما السهو في الأقوال الدنيوية ، وفيما ليس سبيله البلاغ من الكلام الذي لا يتعلق بالأحكام ولا أخبار القيامة وما يتعلق بها ، ولا يضاف إلى وحي فجوزه قوم ، إذ لا مفسدة فيه . قال القاضي عياض : والحق الذي لا شك فيه ترجيح قول من منع ذلك على الأنبياء في كل خبر من الأخبار ، كما لا يجوز عليهم خلف في خبر لا عمداً ولا سهواً ، لا في صحة ولا في مرض ، ولا رضى ولا غضب . وأما جواز السهو في الاعتقادات في أمور الدنيا فغير ممتنع . ومنها : أن فيه جواز النسيان في الأفعال على الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ، واتفقوا على أنهم لا يقرون عليه بل يعلمهم ا تعالى به . وقال الأكثرون : شرطه تنبيهه على الفور أي متصلاً بالحادثة ، وجوزت طائفة تأخير مدة حياته . فإن قلت : ما الفرق بين السهو والنسيان ؟ قيل : النسيان غفلة القلب عن الشيء ، والسهو غفلة الشيء عن القلب ، ففي هذا قال قوم : كان النبي لا يسهو ولا ينسى ، فلذلك نفى عن نفسه النسيان في حديث ذي اليدين ، ( بقوله : لم أنس ) ، لأن فيه غفلة ، ولم يغفل . وقال القشيري : يبعد الفرق بينهما في استعمال اللغة ، وكأنه يتلوح من اللفظ على أن النيسان عدم الذكر لأمر لا يتعلق بالصلاة ، والسهو عدم الذكر لا لأجل الإعراض . وقال القرطبي : لا نسلم الفرق ، ولئن سلم فقد أضاف النسيان إلى نفسه في غير ما موضع كقوله : ( إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني ) . وقال القاضي : إنما أنكر : نسيت المضاف إليه وهو قد نهى عن هذا بقوله : ( بئسما لأحدكم أن يقول : نسيت كذا ، ولكنه نسِّي ) ، وقد قال أيضاً : ( لا أنسى ) على النفي ، ( ولكن أُنسَّى ( . وقد شك بعض الرواة في روايته فقال : ( أنسى أو أنسَّى ) . وإن : أو ، للشك أو للتقسيم ، وإن هذا يكون منه مرة من قبل شغله ، ومرة يغلب ويجبر عليه ، فلما سأله السائل بذلك في حديث ذي اليدين أنكره ، وقال : كل ذلك لم يكن ، وفي الرواية الأخرى : ( لم أنس ولم تقصر ) ، أما القصر فبيِّن ، وكذلك : لم أنس حقيقة من قبل نفسي ، ولكن ا أنساني . وسنتكلم في هذا كما هو المطلوب في موضعه إن شاء ا تعالى . ومنها : أن بعضهم احتج به على أن كلام الناسي لا يبطل الصلاة . وقال أبو عمر : ذهب الشافعي وأصحابه إلى أن الكلام والسلام ساهياً في الصلاة لا يبطلها ، كقول مالك وأصحابه سواء ، وإنما الخلاف بينهما أن مالكاً يقول : لا يفسد الصلاة تعمد الكلام فيها إذا كان في شأنها وإصلاحها ، وهو قول ربيعة وابن القاسم إلاَّ ما روي عنه في المنفرد ، وهو قول أحمد ، ذكر الأثرم عنه أنه قال : ما تكلم به الإنسان في صلاته لإصلاحها لم يفسد عليه صلاته ، فإن تكلم لغير ذلك فسدت عليه . وذكر الخرقي عنه : أن مذهبه فيمن تكلم عامداً أو ساهياً بطلت صلاته إلاَّ الإمام خاصة ، فإنه إذا تكلم لمصلحة صلاته لم تبطل صلاته . وقال الشافعي وأصحابه ومن تابعهم من أصحاب مالك وغيرهم : إن من تعمد الكلام وهو يعلم أنه لم يتم الصلاة وأنه فيها أفسد صلاته ، فإن تكلم ناسياً أو تكلم وهو يظن أنه ليس في الصلاة لا تبطل ، وأجمعوا على أن الكلام عامداً إذا كان المصلي يعملم أنه في الصلاة ولم يكن ذلك لإصلاح صلاته أنه يفسد الصلاة إلاَّ ما روي عن الأوزاعي أنه : من تكلم لإحياء نفس أو مثل ذلك من الأمور الجسام لم تفسد بذلك صلاته ، وهو قول ضعيف في النظر . وفي ( المغني ) : وقال ابن المنذر ما ملخصه : إن الكلام لغير مصلحة الصلاة ينقسم خمسة أقسام : الأول : الكلام جاهلاً بتحريمه فيها . قال القاضي في ( الجامع ) : لا أعرف عن أحد نصاً فيه ، ويحتمل أن لا تبطل . الثاني : الكلام ناسياً وهو على نوعين : أحدهما : أن ينسى أنه في الصلاة ، ففيه روايتان : إحداهما : لا تبطل ، وهو قول مالك والشافعي . والأخرى : تبطل ، وهو قول النخعي وقتادة وحماد بن أبي سليمان وأصحاب الرأي . والنوع الآخر : أن يظن أن صلاته تمت فيتكلم ، فإن كان سلاماً لا تبطل رواية واحدة ، وإلاَّ فالمنصوص عن أحمد : إن كان لأمر الصلاة لا تبطل ، وإن كان لغير أمرها مثل : إسقني يا غلام ماء ، تبطل . وعنه رواية ثانية أنها تفسد بكل حال ، وهذا مذهب أصحاب الرأي ، وفيه رواية ثالثة : أنها لا تبطل بالكلام في تلك الحال بحال ، سواء كان من شأن الصلاة أو لم يكن ، إماماً كان أو مأموماً ، وهذا مذهب مالك والشافعي . وتخرج رواية رابعة وهو أن المتكلم إن كان إماماً تكلم لمصلحة الصلاة لم تفسد ، وإن تكلم غيره فسدت . القسم الثالث : أن يتكلم مغلوباً على الكلام ، وهو ثلاثة : أنواع : أحدها : بأن تخرج الحروف من فيه بغير اختياره ، مثل : إن تثاوب فقال : آه ، أو تنفس