العيني

125

عمدة القاري

صلاتنا ) مع كونه داخلاً فيها ، لأنه من شرائطها ، وذلك للتنبيه على تعظيم شأن القبلة وعظم فضل استقبالها ، وهو غير مقتصر على حالة الصلاة ، بل أعم من ذلك على ما لا يخفى . ذكر رجاله وهم خمسة : الأول : عمرو ، بالواو : ابن عباس ، بتشديد الباء الموحدة : أبو عثمان الأهوازي البصري ، مات سنة خمس وثلاثين ومائتين . الثاني : عبد الرحمن بن مهدي بن حسان أبو سعيد البصري اللؤلؤي . الثالث : منصور بن سعد ، وهو صاحب اللؤلؤي البصري . الرابع : ميمون بن سياه ، بكسر السين المهملة وتخفيف الياء آخر الحروف وبعد الألف هاء ، وهو بالفارسية ، ومعناه : الأسود ، ويجوز فيه الصرف ومنعه ، أما منعه فللعلمية والعجمة ، وأما صرفه فلعدم شرط المنع ، وهو أن يكون علماً في العجم . ولفظ : سياه ، ليس بعلم في العجم ، فلذلك يكون صرفه أولى . وقال بعضهم : وهو فارسي ، وقيل : عربي . قلت : قوله : وقيل عربي ، غير صحيح لعدم تصرف وجوه الاشتقاق فيه . الخامس : أنس بن مالك . ذكر لطائف إسناده فيه : التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع . وفيه : العنعنة في موضعين . وفيه : أن رواته كلهم بصريون . ذكر من أخرجه غيره أخرجه النسائي في الإيمان عن حفص بن عمر عن عبد الرحمن به . ذكر لغاته ومعناه وإعرابه . قوله : ( من صلى صلاتنا ) أي : صلى كما نصلي ، ولا يوجد إلاَّ من معترف بالتوحيد والنبوة ، ومن اعترف بنبوة محمد فقد اعترف بجميع ما جاء به عن ا تعالى ، فلهذا جعل الصلاة علماً لإسلامه ، ولم يذكر الشهادتين لأنهما داخلتان في الصلاة ، وإنما ذكر استقبال القبلة والصلاة متضمنة له مشروطة به ، لأن القبلة أعرف من الصلاة ، فإن كل أحد يعرف قبلته وإن كان لا يعرف صلاته ، ولأن من أعمال صلاتنا ما هو يوجد في صلاة غيرنا : كالقيام والقراءة ، واستقبال قبلتنا مخصوص بنا ، ثم لما ذكر من العبادات ما يميز المسلم من غيره أعقبه بذكر ما يميزه عادة وعبادة : فقال : ( وأكل ذبيحتنا ) ، فإن التوقف عن أكل الذبائح كما هو من العادات ، فكذلك هو من العبادات الثابتة في كل ملة . قال الطيبي : وأقول ، وا أعلم ، إذا أجري الكلام على اليهود سهل تعاطي عطف الاستقبال على الصلاة بعد الدخول فيها ، ويعضده اختصاص ذكر الذبيحة ، لأن اليهود خصوصاً يمتنعون من أكل ذبيحتنا ، وهم الذين حين تحولت القبلة شنعوا بقولهم : * ( ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ) * ( البقرة : 241 ) أي : صلوا صلاتنا وتركوا المنازعة في أمر القبلة والامتناع عن أكل الذبيحة ، لأنه من باب عطف الخاص على العام ، فلما ذكر الصلاة عطف ما كان الكلام فيه وما هو مهتم بشأنه عليها ، كما أنه يجب عليهم أيضاً عند الدخول في الإسلام أن يقروا ببطلان ما يخالفون به المسلمين في الاعتقاد بعد إقرارهم بالشهادتين . قوله : ( صلاتنا ) ، منصوب بنزع الخافض ، وهو في نفس الأمر صفة لمصدر محذوف أي : من صلى صلاة كصلاتنا ، كما ذكرناه . قوله : ( فذلك المسلم ) ، جواب الشرط ، وذلك ، مبتدأ وخبره : المسلم ، وقوله : ( الذي ) صفته ، وقوله : ( ذمة ا ) ، كلام إضافي مبتدأ وخبره . هو قوله : له ، والجملة صلة الموصول . قوله : ( ذمة ا ) ، الذمة : الأمان والعهد ، ومعناه في أمان ا وضمانه ، ويجوز أن يراد بها الذمام وهو الحرمة . ويقال : الذمة الحرمة أيضاً . قال القزاز : الذمام كل حرمة تلزمك منها مذمة ، تقول : ألزمني لفلان ذمام وذمة ومذمة ، هذا بكسر الذال ، وكذا لزمتني له ذمامة ، مفتوح الأول . وفي ( المحكم ) : الذمام والمذمة : الحق ، والجمع : أذمة ، والذمة : العهد والكفالة ، والجمع : ذمم ، وفي ( الغريبين ) : قال ابن عرفة : الذمة الضمان وبه سمي أهل الذمة لدخولهم في ضمان المسلمين . قال الأزهري في قوله تعالى : * ( إلاًّ ولا ذمة ) * أي : ولا أماناً . قوله : ( فلا تخفروا ا ) ، قال ثعلب في ( فصيحه ) : خفرت الرجل إذا أجرته وأخفرته إذا نقضت عهده . وقال كراع في ( المجرد ) وابن القطاع في كتاب ( الأفعال ) أخفرته بعثت معه خفيراً ، وقال القزاز ، خفر فلان بفلان وأخفره إذا غدر به ، وقال ابن سيده : خفره خفراً وخفراً وأخفره : نقض عهده وغدره ، وأخفر الذمة : لم يف بها . قلت : لا تخفروا ، بضم التاء من الإخفار ، والهمزة فيه للسلب ، أي : لسلب الفاعل عن المفعول أصل الفعل نحو أشكيته ، أي : أزلت شكايته ، وكذلك : أخفرته ، أي : أزلت خفارته . وقال الخطابي : فلا تخفروا ا ، معناه : ولا تخونوا ا في تضييع حق من هذا سبيله ، وإنما اكتفى في النهي بذمة ا وحده ، ولم يذكر الرسول كما ذكر أولاً ، لأنه ذكر الأصل لحصول المقصود به ولاستلزامه عدم إخفاره ذمة الرسول ، وأما ذكره أولاً فللتأكيد وتحقيق عصمته مطلقاً ، والضمير في ذمته يرجع إلى المسلم أو إلى ا تعالى ، فافهم . ذكر ما يستنبط منه : فيه : أن أمور الناس محمولة على الظاهر دون باطنها ، فمن أظهر شعائر الدين أجريت عليه أحكام أهله ما لم يظهر منه خلاف ذلك ، فإذا دخل رجل غريب في بلد من بلاد المسلمين بدين أو مذهب في الباطن