العيني

13

عمدة القاري

إذا ، محذوف يدل على ما تقدمه ، تقديره : إذا لم يجد الماء وخاف فوت وقت الصلاة يتيمم . وَبِهِ قالَ عَطاءٌ . أي : وبما ذكر من أن فاقد الماء في الحضر الخائف فوت الوقت يتيمم . قال عطاء بن أبي رباح : وقال بعضهم : أي بهذا المذهب . قلت : المعنى الذي يستفاد من التركيب ما ذكرته ، ولا يرد عليه شيء ، وهذا التعليق رواه ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) موصولاً عن عمر عن ابن جريج عن عطاء . قال : ( إذا كنت في الحضر وحضرت الصلاة وليس عندك ماء فانتظر الماء ، فإن خشيت فوت الصلاة فتيمم وصلِّ ) . وقال الكرماني : وبقول عطاء قال الشافعي . قلت : مذهبنا جواز التيمم لعادم الماء في الأمصار ، ذكره في ( الأسرار ) . وفي ( شرح الطحاوي ) : التيمم في المصر لا يجوز إلاَّ في ثلاث . إحداها : إذا خاف فوت صلاة الجنازة إن توضأ . والثانية : عند خوف فوت صلاة العيد . والثالثة : عند خوف الجنب من البرد بسبب الاغتسال . وقال الإمام التمرتاشي : من عدم الماء في المصر لا يجوز له التيمم لأنه نادر . قلت : الأصل جواز التيمم لعادم الماء ، سواء كان في المصر أو خارجه لعموم النصوص ، وفي ( كتاب الأحكام ) لابن بزيزة ؛ الحاضر الصحيح يعدم الماء ، هل يتيمم أو لا ؟ قالت طائفة : يتيمم ، وهو مذهب ابن عمر وعطاء والحسن وجمهور العلماء ، وقال قوم من العلماء : لا يتيمم ؛ وعن أبي حنيفة يستحب لعادم الماء وهو يرجوه أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت ليقع الآداء بأكمل الطهارتين . وعن محمد : إن خاف فوت الوقت يتيمم . وفي ( شرح الأقطع ) : التأخير عن أبي حنيفة ويعقوب حتم ، كأنه يشير إلى ما رواه الدارقطني من حديث أبي إسحاق عن علي رضي ا عنه : ( إذا أجنب الرجل في السفر تلوم ما بينه وبين آخر الوقت ، فإن لم يجد الماء تيمم ثم صلى ) . وقال ابن حزم : وبه قال سفيان بن سعيد وأحمد بن حنبل وعطاء . وقال مالك : لا يعجل ولا يؤخر ، ولكن في وسط الوقت . وقال مرة : إن أيقن بوجود الماء قبل خروج الوقت أخره إلى وسط الوقت ، وإن كان موقناً أنه لا يجد الماء حتى يخرج الوقت فيتيمم في أول الوقت ويصلي . وعن الأوزاعي . كل ذلك سواء . وعند مالك : إذا وجد الحاضر الماء في الوقت هل يعيد أم لا ؟ فيه قولان في ( المدونة ) وقيل : إنه يعيد أبداً . وقالَ الحَسَنُ فِي الْمَرِيضِ عِنْدَهُ الْماءُ وَلاَ يَجِدُ مَنْ يُناوِلُهُ يَتيَمَّمُ . أي : الحسن البصري ، رضي ا عنه . قوله : ( الماء ) في بعض النسخ : ماء ، بلا لام . قوله : ( من يناوله ) أي : يعطيه ويساعده على استعماله . وجاز عند الشافعي : وإن وجد من يناوله بالمرض الذي يخاف من الغسل معه محذوراً ، ولا يجب عليه القضاء . قوله : ( يتيمم ) ، وفي بعضها : ( تيمم ) ، على صيغة الماضي ، وروى ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) : عن الحسن وابن سيرين قالا : ( لا يتيمم ما رجى أن يقدر على الماء في الوقت ) ، وهذا في المعنى ما ذكره البخاري معلقاً . وَأقْبَلَ ابنُ عُمَرَ منْ أرْضِهِ بِالْجرُفِ فَحَضَرَتِ العَصْرُ بِمَرْبَدِ النَّعَمِ فَصَلَّى ثُمَّ دَخَلَ المَدِينَةَ والشَّمسُ مرْتَفِعَةٌ فَلَمْ يُعِدْ . الكلام فيه على أنواع . الأول : أن هذا التعليق في موطأ مالك : ( عن نافع أنه أقبل هو وعبد ا من الجرف حتى إذا كانا بالمدينة نزل عبد ا فتيمم صعيداً طيباً ، فمسح وجهه ويديه إلى المرفقين ثم صلى ) ، رواه الشافعي عن سفيان بن عيينة عن ابن عجلان عن نافع عن ابن ابن عمر بلفظ : ( ثم صلى العصر ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة فلم يعد الصلاة ) . قال الشافعي : والجرف قريب من المدينة . ورواه البيهقي من حديث عمرو بن محمد بن أبي رزين : حدّثنا هشام بن حسان عن عبيد ا عن نافع عن عبد ا : ( أن النبي تيمم وهو ينظر إلى بيوت المدينة بمكان يقال له : مربد النعم ) ، ثم قال : تفرد عمر بن محمد بإسناده هذا ، والمحفوظ عن نافع عن ابن عمر من فعله ، وفي ( سنن الدارقطني ) قال : حدّثنا ابن صاعد حدّثنا ابن زنبور حدّثنا فضيل بن عياض عن ابن عجلان عن نافع أن ابن عمر تيمم وصلى وهو على ثلاثة أميال أو ميلين من المدينة . وفي حديث يحيى بن سعيد عن نافع : تيمم عبد ا على ثلاثة أميال أو ميلين من المدينة . وفي خبر عمر بن زرارة من طريق موسى بن ميسرة . عن ابن عمر مثله . النوع الثاني : أن البخاري ذكر هذا معلقاً مختصراً ولم يذكر فيه التيمم ، مع أنه لا يطابق ترجمة الباب إلاَّ به . وقال بعضهم : لم يظهر لي سبب حذفه قلت : الذي يظهر لي أن ترك هذا ما هو من البخاري ، والظاهر أنه من الناسخ ، واستمر الأمر عليه وليس له وجه غير هذا .