العيني
118
عمدة القاري
عمر ذات يوم بالناس الجمعة في يوم شديد الحر ، فطرح طرف ثوبه بالأرض فجعل يسجد عليه ، ثم قال : يا أيها الناس إذا وجد أحدكم الحر فليسجد على طرف ثوبه ) . ورواه زيد بن وهب عن عمر بنحوه ، وأمر به إبراهيم أيضاً وعطاء ، وفعله مجاهد . وقال الحسن : لا بأس به ، وحكاه ابن المنذر أيضاً عن الشعبي وطاوس والأوزاعي والنخعي والزهري ومكحول ومسروق وشريح . وقال صاحب ( التهذيب ) من الشافعية : وبه قال أكثر العلماء ، والحديث حجة على الشافعي حيث لم يجوز ذلك . وقال النووي : حمله الشافعي على الثوب المنفصل ، قلنا : لفظ : ثوبه ، دل على المتصل به من حيث اللفظ ، وهو تعقيب السجود بالبسط ، كما في رواية مسلم وأبي داود ، وكذا دل على المتصل به من خارج اللفظ ، وهو قلة الثياب عندهم . فإن قلت : أيد البيهقي حمل الشافعي على الثوب المنفصل بما رواه الإسماعيلي في هذا الحديث بلفظ : ( فيأخذ أحدنا الحصى في يده فإذا برد وضعه وسجد عليه ) . قال : فلو جاز السجود على شيء متصل به لما احتاجوا إلى تبريد الحصى مع طول الأمر فيه . قلت : ورد هذا باحتمال أن يكون الذي كان يبرد الحصى لم يكن في ثوبه فضلة يسجد عليها مع بقاء سترة له . فإن قلت : احتج الشافعي بحديث خباب قال : ( شكونا إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، حر الرمضاء في جباهنا فلم يشكنا ) . أي : فلم يزل شكوانا ، وبما روى عنه أنه قال : ( ترب جبينك يا رباح ) . قلت : حديث خباب ليس فيه ذكر الجباه والأكف في المسانيد المشهورة ، ثبت فهو محمول على التأخير الكثير حتى تبرد الرمضاء ، وذلك يكون في أرض الحجاز بعد العصر . ويقال : إنه منسوخ بقوله : ( أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم ) . ويدل عليه ما رواه عبد ا بن عبد الرحمن قال : ( جاءنا رسول ا عليه الصلاة والسلام ، فصلى بنا في مسجد بني عبد الأشهل ، فرأيته واضعاً يديه في ثوبه إذا سجد ) . رواه أحمد وابن ماجة . فإن قلت : هذا محمول على الثوب المنفصل الذي لا يتحرك بحركته . قلت : هذا بعيد لقوله : ( بسط ثوبه فسجد عليه ) . إذ : الفاء ، فيه للتعقيب . وكل حديث احتج به الشافعي في هذا الباب فهو محتمل ، وما احتج به غيره من الأئمة المذكورين فهو محكم ، فيحمل المحتمل على المحكم على أنه قد روي عن جماعة من الصحابة أنهم رووا سجوده ، عليه الصلاة والسلام ، على كور عمامته . منهم : أبو هريرة ، أخرج حديثه عبد الرزاق في ( مصنفه ) . وابن عباس ، أخرج حديثه أبو نعيم في ( الحلية ) . وعبد ا بن أبي أوفي ، أخرج حديثه الطبراني في ( الأوسط ) ، وجابر أخرج حديثه ابن عدي في ( الكامل ) . وأنس أخرج حديثه ابن أبي حاتم في كتابه ( العلل ) . وابن عمر أخرج حديثه الحافظ أبو القاسم تمام بن محمد الرازي في ( فوائده ) . فإن قلت : قال البيهقي في ( المعرفة ) : أما ما روى أن النبي كان يسجد على كور عمامته فلا يثبت منه شيء . قلت : حديث ابن عمر وابن عباس وابن أبي أوفى جياد ، وما كان منه من الضعيف يشتد بالقوي ، وقد مر الكلام فيه مستوفىً في هذا الباب . وبما ذكرنا ههنا يحصل الجواب عما قاله الكرماني في هذا الباب من فرقه بين المحمول المتحرك وغيره ، والاستدلال بقوله : ( ترب وجهك ) ، وحديث الباب أيضاً يرد ما ذكره من قوله : والقياس على سائر الأعضاء قياس بالفارق ، وقياس في مقابلة النص . قلنا : لا نسلم ذلك لأنا عملنا أولاً بالحديث الذي ورد في هذا الباب ، وبالقياس أيضاً ، فهذا أقوى . وقوله : ثبت أنه كان يباشر الأرض بوجهه في سجوده ، فنقول : باشر أيضاً ثوبه في سجوده ، كما مر ، وبدليل ما لو سجد على البساط يجوز بالإجماع ، فإن احتج بقوله : ( مكن جبهتك وأنفك من الأرض ) ، فنقول بموجبه ، وهو وجدان حجم الأرض حتى إذا امتنع حجمها لا يجوز . وقال بعضهم : فيه أي في حديث الباب تقديم الظهر في أول الوقت قلنا : ظاهر الأحاديث الواردة في الأمر بالإيراد بالظهر يعارضه ، ودفعها إما بأن نقول : إن التقديم رخصة والإيراد سنة ، فإذا قلنا : أحاديث الأمر بالإيراد ناسخة لا يبقى تعارض . فافهم . ومما يستنبط من الحديث المذكور أن العمل اليسير في الصلاة عفو ، لأن وضع طرف الثوب في موضع السجود ، عمل . وا أعلم . 42 ( ( بابُ الصَّلاَةِ في النعالِ ) ) أي : هذا باب في بيان حكم الصلاة في النعال ، أي : على النعال أو ؛ بالنعال ، لأن الظرفية غير صحيحة . والمناسبة بين البابين من حيث إن في الباب السابق تغطية الوجه بالثوب الذي يسجد عليه ، وفي هذا الباب تغطية بعض القدمين .