العيني
114
عمدة القاري
في الصلاة أيضاً عن يحيى بن يحيى عن مالك عن أبي النضر . وأخرجه أبو داود فيه عن عاصم بن النضر عن المعتمر بن سليمان عن عبيد ا بن عمر عن أبي النضر . وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة عن مالك به . ذكر معناه : قوله : ( ورجلاي في قبلته ) جملة وقعت حالاً أي : في مكان سجوده . قوله : ( غمزني ) ، من الغمز باليد . قال الجوهري : غمزت الشيء بيدي ، وغمزته بعيني ، قال تعالى : * ( وإذا مروا بهم يتغامزون ) * ( المطففين : 03 ) والمراد ههنا : الغمز باليد ، وروى أبو داود من حديث أبي سلمة عن عائشة أنها قالت : ( كنت أكون نائمة ورجلاي بين يدي رسول الله وهو يصلي من الليل ، فإذا أراد أن يسجد ضرب رجلي فقبضتهما ، فسجد ) . قوله : ( فقبضت رجلي ) ، بفتح اللام وتشديد الياء بصيغة التثنية ، وهذه رواية الأكثرين ، وفي رواية المستملي والحموي : ( رجلي ) ، بكسر اللام وسكون الياء ، بصيغة الإفراد . قوله : ( بسطتهما ) ، بتثنية الضمير على رواية الأكثرين ، وبالإفراد على رواية المستملي . قوله : ( والبيوت ) ، مبتدأ . وقوله : ( ليس فيها مصابيح ) خبره ، والجملة حال ، والمصابيح جمع : مصباح ، وهذا اعتذار من عائشة رضي ا تعالى عنها ، عن نومها على هذه الهيئة ، والمعنى : لو كانت المصابيح لقبضت رجلي عند إرادته السجود ، ولما أحوجته إلى غمزي ، وهذا يدل على أنها كانت راقدة غير مستغرقة في النوم ، إذ لو كانت مستغرقة لما كانت تدرك شيئاً ، سواء كانت مصابيح أو لم تكن . قوله : ( يومئذٍ ) معناه : وقئتذ ، أي : وقت إذ كان الرسول حياً ، وإنما فسرناه هكذا لأن المصابيح من وظائف الليل ، فلا يمكن إجراء اليوم على حقيقة معناه ، وقد يذكر اليوم ويراد به الوقت ، كما في قوله تعالى : * ( ومن يولهم يومئذٍ دبره إلاَّ متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة فقد باء بغضب من ا ومأواه جهنم وبئس المصير ) * ( الأنفال : 61 ) . ذكر استنباط الأحكام منه : الأول : فيه جواز صلاة الرجل إلى المرأة ، وأنها لا تقطع صلاته ، وكرهه بعضهم لغير الشارع لخوف الفتنة بها واشتغال القلب بالنظر إليها ، وأما النبي فمنزه عن هذا كله ، مع أنه كان في الليل ولا مصابيح فيه . الثاني : فيه استحباب إيقاظ النائم للصلاة . الثالث : أن المرأة لا تبطل صلاة من صلى إليها ، ولا من مرت بين يديه ، وهو قول جمهور الفقهاء سلفاً وخلفاً ، منهم أبو حنيفة ومالك والشافعي ، ومعلوم أن اعتراضها بين يديه أشد من مرورها ، وذهب بعضهم إلى أنه يقطع مرور المرأة والحمار والكلب ، وقال أحمد : يقطعها الكلب الأسود ، وفي قلبي من الحمار والمرأة شيء . والجواب : عن حديث قطع الصلاة بهؤلاء من وجهين : إن المراد من القطع : النقص ، لشغل القلب بهذه الأشياء ، وليس المراد إبطالها لأن المرأة تغير الفكر فيها ، والحمار ينهق ، والكلب يهوش ، فلما كانت هذه الأشياء آيلة إلى القطع أطلق عليها القطع . والثاني : أنها منسوخة بحديث : ( لا يقطع الصلاة شيء ، وادرؤوا ما استطعتم ) ، وصلى الشارع وبينه وبين القبلة عائشة ، رضي ا تعالى عنها ، وكانت الأتان ترتع بين يديه ولم ينكره أحد ، لكن النسخ لا يصار إليه إلاَّ بأمور منها التاريخ ، وأنى به ؟ وذهب ابن عباس وعطاء إلى أن المرأة التي تقطع الصلاة إنما هي الحائض ، ورد بأنه جاء في روايات هذا الحديث ، قال شعبة : ( وأحسبها قالت : وأنا حائض ) . قال : فإن قلت : ورد في الحديث : ( يقطع الصلاة اليهودي والنصراني والمجوسي والخنزير ) ؟ قلت : هذا حديث ضعيف . الرابع : أن العمل اليسير في الصلاة غير قادح . الخامس : جواز الصلاة إلى النائم ، وكرهه بعضهم واحتجوا بحديث ابن عباس أنه قال : لا تصلوا خلف النائم ولا المتحدث ) . قلت : قال أبو داود : روى هذا الحديث من غير وجه عن محمد بن كعب ، كلها واهية ، وهذا أمثلها وهو أيضاً ضعيف ، وصرح به الخطابي ، وغيره ؛ ( وكان ابن عمر لا يصلي خلف رجل يتكلم إلاَّ يوم الجمعة ) . رواه أبو داود بسند منقطع ، وفي ( مراسيله ) بسند ضعيف : ( نهى النبي أن يتحدث الرجلان وبينهما أحد يصلي ) ، وفي ( كامل ابن عدي بسند واهٍ عن ابن عمر : ( نهى رسول الله أن يصلي الإنسان إلى نائم أو متحدث ) . وفي ( الأوسط ) للطبراني . من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف مرفوعاً : ( نهيت أن أصلي خلف النائم والمتحدثين ) . وفي ( كتاب الصلاة ) لأبي نعيم : حدّثنا سفيان عن ابن إسحاق عن معدي كرب عن عبد ا ، قال : ( لا يصلي بين يدي قوم يمترون ) . وعن سعيد بن جبير : ( إذا كانوا يذكرون ا فلا بأس ) . وفي رواية : ( كره سعيد أن يصلي وبين يديه متحدث ) ، وضرب عمر بن الخطاب رضي ا تعالى عنه ، رجلين أحدهما يستقبل الآخر وهو يصلي . السادس : قال بعضهم : وقد استدل بقولها : غمزني ، على أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء ، وتعقب باحتمال الحائل أو بالخصوصية ،