العيني
82
عمدة القاري
وقالوا فيها : مسح رأسه ، ولم يذكروا عدداً ، كما ذكروا في غيره ، ووصف عبد الله بن زيد وضوء النبي صلى الله عليه وسلم وقال : مسح برأسه مرة واحدة ، متفق عليه . وحديث علي ، رضي الله تعالى عنه ، وفيه : ( مسح رأسه مرة واحدة ) . وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح ، وكذا وصف عبد الله بن أبي أوفى وابن عباس وسلمة بن الأكوع والربيع ، كلهم قالوا : ومسح برأسه مرة واحدة ، ولم يصح في أحاديثهم شيء صريح في تكرار المسح . وقال البيهقي : قد روي من أوجه غريبة عن عثمان ذكرُ التكرار في مسح الرأس ، إلاَّ أنها مع خلاف الحفاظ الثقات ليست بحجة عند أهل المعرفة ، وإن كان بعض أصحابنا يحتج بها . فان قلت : قد روى الدارقطني في ( سننه ) عن محمد بن محمود الواسطي عن شعيب بن أيوب عن أبي يحيى الجماني عن أبي حنيفة عن خالد بن علقمة عن عبد خير عن عليه رضي الله تعالى عنه : ( أنه توضأ . . . ) الحديث ، وفيه : ( ومسح برأسه ثلاثاً ) ، ثم قال : هكذا رواه أبو حنيفة عن علقمة بن خالد . وخالفه جماعة من الحفاظ الثقات عن خالد بن علقمة ، فقالوا فيه : ومسح رأسه مرة واحدة ومع خلافة إياهم قال : إن السنة في الوضوء مسح الرأس مرة واحدة . قلت : الزيادة عن الثقة مقبولة ، ولا سيما من مثل أبي حنيفة ، رضي الله عنه . وأما قوله : فقد خالف في حكم المسح ، غير صحيح ، لأن تكرار المسح مسنون عن أبي حنيفة أيضاً ، صرح بذلك صاحب ( الهداية ) : ولكن بماء واحد . وقول الكرماني والقياس على سائر الأعضاء ، ردَّ بأن المسح مبني على التخفيف ، بخلاف الغسل ، ولو شرع التكرار لصار صورة المغسول . وقد اتفق على كراهة غسل الرأس بدل المسح وإن كان مجزياً . وأجيب : بأن الخفة تقتضي عدم الاستيعاب ، وهو مشروع بالاتفاق ، فليكن العدد كذلك ورد بالحديث المشهور الذي رواه ابن خزيمة وصححه وغيره أيضاً من طريق عبد الله بن عمرو بن العاص في صفة الوضوء حيث قال : قال النبي ، عليه الصلاة والسلام ، بعد أن فرغ : ( من زاد على هذا فقد أساء وظلم ) . فإن في رواية سعيد بن منصور التصريح بأنه مسح رأسه مرة واحدة ، فدل على أن الزيادة في مسح الرأس على المرة غير مستحبة ، ويحمل ما روي من الأحاديث في تثليث المسح ، إن صحت على إرادة الاستيعاب بالمسح ، لا أنها مسحات مستقلة لجميع الرأس ، جمعاً بين هذه الأدلة القائل بهذا الرد هو بعضهم ممن تصدى لشرح البخاري ، وفيه نظر ، لأنه الثلاث نص فيه ، والاستيعاب بالمسح لا يتوقف على العدد ، والصواب أن يقال : الحديث الذي فيه المسح ثلاثاً لا يقاوم الأحاديث التي فيها المسح مرة واحدة ، ولذلك قال الترمذي : والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم . وقال أبو عمر ابن عبد البر : كلهم يقول مسح الرأس مسحة واحدة . فإن قلت : هذا الذي ذكرته يرد على أبي حنيفة . قلت : لا يرد أصلاً ، فإنه رأى التثليث سنة لكونه رواه ، ولكنه شرط أن يكون بماء واحد ، وهذا خلاف ما قاله الشافعي ، رحمه الله ، ومع هذا المذهب : الإفراد لا التثليثْ ، لما ذكرنا . 43 ( ( بابُ وُضُوءِ الرَّجُلِ مَعَ إمْرَأَتِهِ وَفَضْلِ وَضُوءِ المَرْأَةِ ) ) أي : هذا باب في بيان حكم وضوء الرجل مع امرأته في إناء واحد ، والوضوء في الموضعين بضم الواو في الأول وفي الثاني بالفتح ، لأن المراد من الأول والفعل ، ومن الثاني الماء الذي يتوضأ به . قوله : ( وفضل ) بالجر عطفاً على قوله : ( وضوء الرجل ) وفي بعض النسخ : ( باب وضوء الرجل مع المرأة ) ، وهو أعم من أن تكون : امرأته ، أو غيرها . وَتَوَضَّأَ عُمَرُ بِالحَمِيمِ مِنْ بَيْتِ نَصْرَانِيَّةٍ هذا الأثر المعلق ليس له مطابقة للترجمة أصلاً ، وهذا ظاهر كما ترى . وقال بعضهم : ومناسبته للترجمة من جهة الغالب أن أهل الرجل تبع له فيما يفعل ، فأشار البخاري إلى الرد على من منع المرأة أن تتطهر بفضل الرجل ، لأن الظاهر أن امرأة عمر ، رضي الله عنه ، كانت تغتسل بفضله أو معه ، فناسب قوله : وضوء الرجل مع امرأته من إناء واحد . قلت : من له ذوق أو إدراك يقول هذا الكلام البعيد ، فمراده من قوله : إن أهل الرجل تبع له فيما يفعل ، في كل الأشياء أو في بضعهما ؟ فإن كان الأول فلا نسلم ذلك ، وإن كان الثاني فيجب التعيين . وقوله : لأن الظاهر . إلى آخره ، أي : ظاهر دل على هذا . وهل هذا إلاَّ حدس وتخمين ؟ وقال الكرماني : فإن قلت : ما وجه مناسبته للترجمة ؟ قلت : غرض البخاري في هذا الكتاب ليس منحصراً