العيني
79
عمدة القاري
يوسوس إليه ، فإذا ذكر الله تعالى العبد خنس . ثم الحكمة في الخاتم . على وجه الاعتبار . أن قلبه ، عليه الصلاة والسلام ، لما ملىء حكمة وإيمانا ، كما في ( الصحيح ) ، ختم عليه كما يختم على الوعاء المملوء مسكاً أو دراً ، فلم يجد عدوه سبيلاً إليه من أجل ذلك الختم ، لأن الشيء المختوم محروس ، وكذا تدبير الله ، عز وجل ، في هذه الدنيا إذا وجد الشيء بختمه زال الشك وانقطع الخصام فيما بين الآدميين ، فلذلك ختم رب العلمين في قلبه ختماً تطامن له القلب ، وبقي النور فيه ، ونفذت قوة القلب إلى الصلب فظهرت بين الكتفين كالبيضة ، ومن أجل ذلك برز بالصدق على أهل الموقف ، فصارت له الشفاعة من بين الرسل بالمقام المحمود ، لأن ثناء الصدق هو الذي خصه ربه بما لم يخص به أحداً غيره من الأنبياء ، وغيرهم ، يحققه قول الله العظيم : * ( وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم ) * ( يونس : 2 ) قال أبو سعيد الخدري ، وقد صدق : هو محمد ، عليه السلام ، شفيعكم يوم القيامة ، وكذا قال الحسن وقتادة وزيد بن أسلم : وقول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما ذكره مسلم من حديث أبي بن كعب ، رضي الله تعالى عنه ، وأخرت الثالثة ليوم ترغب إلي فيه الخلق كلهم حتى إبراهيم ، عليه الصلاة والسلام . وقال القاضي عياض : هذا الخاتم هو أثر شق الملكين بين كتفيه . وقال النووي : هذا باطل ، لأن شق الملكين إنما كان في صدره . مشكلات ما وقع في هذا الباب قوله : ( في نغض كتفه اليسرى ) ، بضم النون وفتحها وكسر الغين المعجمة وفي آخره ضاد معجمة ، قال ابن الأثير : النغض والنغض والناغض : أعلى الكتف . وقيل : هو العظم الرقيق الذي على طرفه . قوله : ( كأه جمع ) ، بضم الجيم وسكون الميم ، معناه : مثل جمع الكف ، وهو أن تجمع الأصابع وتضمها ، ومنه يقال : ضربه بجمع كفه . ( و : الخيلان ) بكسر الخاء المعجمة وسكون الياء ، جمع : خال . قوله : ( الثآليل ) جمع : ثؤلول ، وهو الحبة التي تظهر في الجلد كالحمصة فمادونها . قوله : ( ردع حناء ) ، بفتح الراء وسكون الدال وفي آخره عين مهملة : أي لطخ حناء ، والحناء ، بالكسر والتشديد وبالمد ، معروف . والحناءة أخص منه . قوله : ( أَلاَ أبطها ) ؟ من البَطِّ ، وهو : شق الدمل والخراج . قوله : ( بضعة ناشزة ) . البضعة ، بفتح الباء الموحدة : القطعة من اللحم . و : ناشزة ، بالنون والشين والزاي المعجمتين أي : مرتفعة عن الجسم . قوله : ( محتفرة ) : أي غائصة ، وأصله من حفر الأرض . بيان استنباط الأحكام الأول : فيه بركة الاسترقاء . الثاني : فيه الدلالة على مسح رأس الصغير ، وكان مولد السائب الذي مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه في السنة الثانية من الهجرة ، وشهد حجة الوداع ، وخرج مع الصبيان إلى ثنية الوداع يتلقى النبي صلى الله عليه وسلم مقدمه من تبوك . الثالث : فيه الدلالة على طهارة الماء المستعمل ، وإن كان المراد من قول السائب بن يزيد : فشربت من وضوئه ، وهو : الماء الذي يتقاطر من أعضائه الشريفة . وقال بعضهم : هذه الأحاديث يعني التي في هذا الباب . ترد عليه : أي على أبي حنيفة ، لأن النجس لا يتبرك به . قلت : قصد هذا القائل التشنيع على أبي حنيفة بهذا الرد البعيد ، لأن ليس في الأحاديث المذكورة ما يدل صريحاً على أن المراد من : فضل وضوئه ، هو : الماء الذي تقاطر من أعضائه الشريفة . وكذا في قوله : ( كانوا يقتتلون على وضوئه ) ، وكذا في قول السائب : ( فشربت من وضوئه ) . ولئن سلمنا أن المراد هو الماء الذي يتقاطر من أعضائه الشريفة ، فأبو حنيفة ينكر هذا ويقول بنجاسة ذاك ، حاشاه منه ، وكيف يقول ذلك هو يقول بطهارة بوله وسائر فضلاته ؟ ومع هذا قد قلنا : لم يصح عن أبي حنيفة تنجيس الماء المستعمل ، وفتوى الحنيفة عليه ، فانقطع شغب هذا المعاند . وقال ابن المنذر : وفي إجماع أهل العلم على أن البلل الباقي على أعضاء المتوضىء ، وما قطر منه على ثيابه ، دليل قوي على طهارة الماء المستعمل . قلت : المثل . حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء . والماء الباقي على أعضاء المتوضيء لا خلاف لأحد في طهارته ، لأن من يقول بعدم طهرته إنما يقول بالانفصال عن العضو ، بل عند بضعهم بالانفصال والاستقرار في مكان . وأما الماء الذي قطر منه على ثيابه فإنما سقط حكمه للضرورة لتعذر الاحتراز عنه . 41 ( ( بابُ مَنْ مَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدةٍ ) ) أي : هذا باب في بيان حكم المضمضة والاستنشاق من غرفة واحدة ، كما فعله عبد الله بن زيد . والمناسبة بين البابين من حيث إن كلاً منهما من تعلقات الوضوء . فالأول : في الوضوء ، بالفتح ، والثاني : في الوضوء ، بالضم .