العيني
75
عمدة القاري
( فيتمسَّحون به ) ، من باب التفعل ، وهو يأتي لمعانٍ ، ومعناه ههنا : العمل ، ليدل على أن أصل الفعل حصل مرة بعد مرة ، نحو تجرَّعه أي : شربه جرعة بعد جرعة ، والمعنى ههنا كذلك ، لأن كل واحد منهم يمسح به وجهه ويديه مرة بعد أخرى ، ويجوز أن يكون للتكلف ، لأن كل واحد منهم لشدة الازدحام على فضل وضوئه كان يتعانى لتحصيله كتشجع وتصبر . قوله : ( عنزة ) ، بالتحريك : أقصر من الرمح وأطول من العصار ، وفيه زج كزج الرمح . وأما الإعراب فقوله : ( يقول ) في محل النصب على أنه مفعول ثان : لسمعت ، على قول من يقول : إن السماع يستدعي مفعولين ، والأظهر أنه : حال . قوله : ( بالهاجر ) : الباء ، فيه ظرفية بمعنى : في الهاجرة . قوله : ( يأخذونه ) في محل النصب لأنه خبر جعل الذي هو من أفعال المقاربة . قوله : ( عنزة ) مرفوع بالابتداء وخبره مقدماً ، قوله : ( بين يديه ) ، والجملة حالية . بيان استنباط الأحكام : الأول : فيه الدلالة الظاهرة على طهارة الماء المستعمل إذا كان المراد أنهم كانوا يأخذون ما سال من أعضائه صلى الله عليه وسلم ، وإن كان المراد أنهم كانوا يأخذون ما فضل من وضوئه صلى الله عليه وسلم في الإناء فيكون المراد منه التبرك بذلك ، والماء طاهر فازداد طهارة ببركة وضع النبي صلى الله عليه وسلم ، يده المباركة فيه . الثاني : فيه الدلالة على جواز التبرك بآثار الصالحين . الثالث : فيه قصر الرباعة في السفر ، لأن الواقع كان في السفر ، وصرح في رواية أخرى أن خروجه صلى الله عليه وسلم ، وهذا كان من قبة حمراء من أدم بالأبطح بمكة . الرابع : فيه نصب العنزة ونحوها بين يدي المصلي إذا كان في الصحراء . وقال أبُو مُوسَى دَعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم بِقَدَحٍ فِيهِ ماءٌ فَغَسل يَدَيْهِ وَوجْهَهُ فِيهِ وَمَجَّ فِيهِ ثُمَّ قال لَهُمَا اشْرَبَا مِنْهُ وأَفْرِغَا علَى وُجُوهِكُمَا ونُحُورِكُمَا . قال الإسماعيلي : ليس هذا من الوضوء في شيء ، وإنما هو مثل من استشفى بالغسل له فغسل . قلت : أراد بهذا الكلام أنه لا مطابقة له للترجمة ، ولكن فيه مطابقة من حيث إنه ، عليه الصلاة والسلام ، لما غسل يديه ووجهه في القدح صار الماء مستعملاً ولكنه طاهر ، إذ لو لم يكن طاهراً لما أمر بشربه وإفراغه على الوجه والنحر ، وهذا الماء طاهر وطهور أيضا بلا خلاف ، ولكنه إذا وقع مثل هذا من غير النبي ، عليه الصلاة والسلام ، يكون الماء على حاله طاهراً ، ولكن لا يكون مطهراً على ما عرف . بيان ما فيه من الأشياء الأول : أن أبا موسى هو الأشعري ، واسمه عبد الله بن قيس ، تقدم في باب : أي الإسلام أفضل . الثاني : أن أن هذا تعليق وهو طرف من حديث مطول أخرجه البخاري في المغازي . وأوله عن أبي موسى ، قال : ( كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم بالجعرانة ومعه بلال ، رضي الله عنه ، فأتاه أعرابي قال : ألا تنجز لي ما وعدتني ؟ قال : إبشر . . . ) الحديث ، وفيه : ( دعا بقدح فيه ماء فغسل يديه . . . ) الحديث . وأخرج أيضاً قطعة منه في باب الغسل والوضوء في المخضب . وأخرجه مسلم أيضاً في فضائل النبي ، عليه الصلاة والسلام . الثالث : القدح ، بفتحين : هو الذي يؤكل فيه . قاله ابن الأثير . قلت : القدح في استعمال الناس اليوم الذي يشرب فيه . قوله : ( ومج فيه ) اي : صب ما تناوله من الماء بفيه في الإناء . وقال ابن الأثير . مج لعابه إذا قذفه . وقيل : لا يكون مجاً حتى تباعد به . قوله : ( قال لهما ) أي : لأبي موسى وبلال ، رضي الله تعالى عنهما ، وكان بلال مع أبي موسى حاضراً عند النبي ، عليه الصلاة والسلام . قوله : ( وأفرغا ) من : الإفراغ . قوله : ( ونحو ركما ) بالنون جمع نحر ، وهو : الصدر . الرابع : فيه الدلالة على طهارة الماء المستعمل على الوجه الذي ذكرناه ، وفيه جواز مج الريق في الماء ، قاله الكرماني . قلت : هذا في حق النبي صلى الله عليه وسلم لأن لعابه أطيب من المسك ومن غيره يستقذر ، ولهذا كره العلماء . والنبي ، عليه الصلاة والسلام ، مقامه أعظم ، وكانوا يتدافعون على نخامته ويدلكون بها وجوههم لبركتها وطيبها ، وخلوفه ما كان يشابه خلوف غيره ، وذلك لمناجاته الملائكة فطيب الله نكهته وخلوف فمه وجميع رائحته . وقال ابن بطال : فيه دليل على أن لعاب البشر ليس بنجس ولا بقية شربه ، وذلك يدل على أن نهيه ، عليه الصلاة والسلام ، عن النفخ في الطعام والشراب ليس على سبيل أن ما تطاير فيه من اللعاب نجس ، وإنما هو خشية أن يتقذرة الآكل منه ، فأمر بالتأدب في ذلك . وقال أيضاً : وحديث أبي موسى يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالشرب من الذي مج فيه ، والإفراغ على الوجوه والنحور من أجل مرض أو شيء أصابهما . قال الكرماني : لم يكن ذلك من أجل ما ذكره ، بل كان لمجرد التيمن