العيني
71
عمدة القاري
وإذا قرنت بمحل المسح يتعدى الفعل بها إلى الآلة فلا يقتضي الاستيعاب ، وإنما يقتضي إلصاق الآلة بالمحل ، وذلك يستوعب الكل عادة بل أكثر الآلة ينزل منزلة الكل فيتأدى المسح بإلصاق ثلاثة أصابع بمحل المسح ، ومعنى التبعيض إنما يثبت بهذا الطريق لا بمعنى أن : الباء ، للتبعيض ، كما قاله البعض . وقد أنكر بعض أهل العربية كون : الباء ، للتبعيض ، وقال ابن برهان : من زعم أن : الباء ، تفيد التبعيض فقد جاء أهل اللغة بما لا يعرفون ، وقد جعل الجرجاني معنى الإلصاق في : الباء ، أصلاً وإن كانت تجيء لمعانٍ كثيرة . وقال ابن هاشم : أثبت مجيء : الباء ، للتبعيض الأصمعي والفارسي والقتبي وابن مالك . قيل : والكوفيون ، وجعلوا منه : * ( عيناً يشرب بها عباد الله ) * ( الإنسان : 6 ) قيل ومنه : * ( وامسحوا برؤوسكم ) * ( المائدة : 6 ) فالظاهر أن : الباء ، فيهما للإلصاق . وقيل : هي في آية الوضوء للاستعانة ، وإن في الكلام حذفاً وقلباً ، فإن : مسح ، يتعدى إلى المزال عنه بنفسه ، وإلى المزيل : بالباء ، فالأصل امسحوا رؤوسكم بالماء . فان قلت : أليس أن في التيمم حكم المسح ثبت بقوله : * ( فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ) * ( النساء : 43 ) ، ثم الإستيعاب فيه شرط ؟ قلت : عرف الاستيعاب فيه إما بإشارة الكتاب ، وهو أن الله تعالى أقام التيمم في هذين العضوين مقام الغسل عند تعذره ، والاستيعاب فرض بالنص ، وكذا فيما قام مقامه ، أو عرف ذلك بالسنة وهو قوله ، عليه الصلاة والسلام ، لعثمان ، رضي الله تعالى عنه : ( يكفيك ضربتان : ضربة للوجه وضربه للذراعين ) . وأما على رواية الحسن عن أبي حنيفة ، رضي الله تعالى عنه ، إنه لا يشترط الاستيعاب فلا يرد شيء . فإن قلت : المسح فرض ، والمفروض مقدار الناصية ، ومن حكم الفرض أن يكفر جاحده ، وجاحد المقدار لا يكفر ، فكيف يكون فرضا ؟ قلت : بل جاحد ، أصل المسح كافر لأنه قطعي ، وجاحد المقدار لا يكفر لأنه في حق المقدار ظني . فان قلت : أيها الحنفي ! إنك استدللت بحديث المغيرة على أن المقدار في المسح هو قدر الناصية ، وتركت بقية الحديث وهو : المسح على العمامة . قلت : لو عملنا بكل الحديث يلزم به الزيادة على النص ، لأن هذا خبر الواحد ، والزيادة به على الكتاب نسخ ، فلا يجوز . وأما المسح على الرأس فقد ثبت بالكتاب فلا يلزم ذلك ، وأما مسحه ، عليه الصلاة والسلام ، على العمامة فأوله البعض بان المراد به ما تحته من قبيل إطلاق اسم الحال على المحل ، وأوله البعض بأن الراوي كان بعيداً عن النبي ، عليه الصلاة والسلام ، فمسح على رأسه ولم يضع العمامة من رأسه ، فظن الراوي أنه مسح على العمامة . وقال القاضي عياض : وأحسن ما حمل عليه أصحابنا حديث المسح على العمامة أنه ، عليه الصلاة والسلام ، لعله كان به مرض منعه كشف رأسه ، فصارت العمامة كالجبيرة التي يمسح عليها للضرورة . وقال بعضهم : فإن قيل : فلعله اقتصر على مسح الناصية لعذر لأنه كان في سفر ، وهو مظنة العذر ، ولهذا مسح على العمامة بعد مسح الناصية ، كما هو ظاهر سياق مسلم من حديث المغيرة . قلنا : قد روي عنه مسح مقدم الرأس من غير مسح على العمامة . وهو ما رواه الشافعي من حديث عطاء : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فحسر العمامة عن رأسه ومسح مقدم رأسه ) ، وهو مرسل ، لكنه اعتضد من وجه آخر موصولاً ، أخرجه أبو داود من حديث أنس . وفي إسناده أبو معقل لا يعرف حاله ، فقد اعتضد كل من المرسل والموصول بالآخر ، وحصلت القوة من الصورة المجموعة . قلت : قول هذا القائل من أعجب العجائب لأنه يدعي أن المرسل غير حجة عند إمامه ، ثم يدعي أنه اعتضد بحديث موصول ضعيف باعترافه هو ، ثم يقول : وحصلت القوة من الصورة المجموعة ، فكيف تحصل القوة من شيء ليس بحجة وشئ ضعيف ؟ فإذا كان المرسل غير حجة يكون في حكم العدم ، ولا يبقى إلاَّ الحديث الضعيف وحده ، فكيف تكون الصورة المجموعة ؟ . الثامن : فيه البداءة في مسح الرأس بمقدمه ، وروي في هذا الباب أحاديث كثيرة . فعند النسائي من حديث عبد الله بن زيد : ( ثم مسح رأسه بيديه ، فأقبل بهما وادبر ، بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه ) . وعند ابن أبي شيبة من حديث الربيع : ( بدأ بمؤخره ثم مد يديه على ناصيته ) . وعند الطبراني : ( بدأ بمؤخر رأسه ثم جره إلى مؤخره ) . وعند أبي داود : ( يبدأ بمؤخره ثم بمقدمه وبإذنه كليهما ) . وفي لفظ : ( مسح الرأس كله من قرن الشعر كل ناحيته لمنصب الشعر لا يحرك الشعر عن هيئته ) . وفي لفظ : ( مسح رأسه كله وما أقبل وما أدبر وصدغيه ) . وعند البزار من حديث أبي بكرة يرفعه : ( توضأ ثلاثاً ثلاثاً ) وفيه : ( مسح برأسه يقبل بيده من مقدمه إلى مؤخره ومن مؤخره إلى مقدمه ) . وعند ابن نافع من حديث أبي هريرة : ( وضع يديه