العيني
56
عمدة القاري
والسلام . قوله : ( فسألت عن ذلك ) مقول زيد لا مقول عثمان ، رضي الله تعالى عنه . قوله : ( فامروه ) الضمير المرفوع فيه راجع إلى هؤلاء الصحابة الأربعة : علي والزبير وطلحة وأبي بن كعب ، رضي الله تعالى عنهم . والضمير المنصوب فيه راجع إلى المجامع . فإن قلت : لم يمض ذكر المجامع . قلت : قوله : ( إذا جامع ) اي : الرجل يدل على المجامع ضمناً من قبل قوله تعالى : * ( أعدلوا هو أقرب للتقوى ) * ( المائدة : 8 ) اي : العدل أقرب ، دل عليه : اعدلوا . قوله : ( بذلك ) أي : بأنه يتوضأ ويغسل ذكره . بيان استنباط الأحكام الأول : فيه وجوب الوضوء على من يجامع امرأته ولا ينزل . الثاني : فيه وجوب غسل ذكره ، واختلفوا هل يجب غسل كل الذكر أو غسل ما أصابه المذي ، فقال مالك بالأول ، وقال الشافعي بالثاني . قلت : اختلف أصحاب مالك ، منهم من أوجب غسل الذكر كله لظاهر الخبر ، ومنهم من أوجب غسل مخرج المذي وحده وعن الزهري ، لا يغسل مالك ، منهم من أوجب غسل الذكر كله لظاهر الخبر ، ومنهم من أوجب غسل المذي وحده وعن الزهري ، لا يغسل الأنثيين من المذي إلاَّ أن يكون أصابهما شيء . وقال الأثرم : وعلى هذا مذهب أبي عبد الله ، سمعته لا يرى في المذي إلاَّ الوضوء ، ولا يرى فيه الغسل وهذا قول أكثر أهل العلم . وفي ( المعنى ) لابن قدامة : المذي ينقض الوضوء وهو ما يخرج لزجاً متسبسباً عند الشهوة فيكون على رأس الذكر . واختلفت الرواية في حكمه ، فروي أنه لا يوجب الاستنجاء والوضوء ، والرواية الثانية يجب غسل الذكر والأنثيين مع الوضوء . وقال الطحاوي : لم يكن قوله عليه الصلاة والسلام : ( يغسل مذاكيره ) لإيجاب الغسل ، ولكنه ليتقلص اي ليرتفع وينزوي المذي فلا يخرج ، والدليل عليه ما جاء ، في ( صحيح مسلم ) : ( توضأ وانضح فرجك ) ، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه ، وبه قال الشافعي ومالك في رواية ، وأحمد في رواية . فائدة إعلم أن حديث علي ، رضي الله تعالى عنه : ( كنت رجلاً مذَّاء ) ، وهو المذكور قبل هذا الحديث وفي موضع آخر من ( صحيح البخاري ) : ( فكنت أستحى أن اسأل رسول الله ، عليه الصلاة والسلام ، لمكان ابنته . فقال : ليغسل ذكره ويتوضأ ) . وقال ابن عباس : قال علي ، رضي الله تعالى عنه : ( أرسلنا المقداد إلى رسول الله ، عليه الصلاة والسلام ، فسأله عن المذي الذي يخرج من الإنسان ، كيف يفعل ؟ فقال ، عليه الصلاة والسلام : توضأ وانضح فرجك ) . وفي ( صحيح ابن حبان ) من حديث أبي عبد الرحمن عن علي : ( كنت رجلاً مذَّاء فسألت النبي ، عليه الصلاة والسلام ، فقال : إذا رأيت الماء فاغسل ذكرك ) . ورواه الطبراني في ( الأوسط ) من حديث حصين بن عبد الرحمن عن حصين بن قبيصة عنه : ( كنت رجلاً مذَّاءً فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال . . . ) الحديث . قال أبو القاسم : لم يروه عن حصين إلاَّ زائدة ، تفرد به إسماعيل بن عمرو ، ورواه غير إسماعيل عن أبي حصين عن حصين بن قبيصة . وعند ابن ماجة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي : ( سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المذي ) . وفي ( مسند ) أحمد عن عبد الله : حدثني أبو محمد شيبان حدثنا عبد العزيز بن مسلم القسملي حدثنا يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن عن علي : ( كنت رجلاً مذَّاءً ، فسألت النبي ، عليه الصلاة والسلام ، عن ذلك . . . ) الحديث ، وفيه أيضاً من حديث هانىء بن هانىء عن علي : ( فأمرت المقداد فسأل النبي ، عليه الصلاة والسلام ، فضحك فقال : فيه الوضوء ) . وفي ( سنن الكجي ) كل : فحل يمذي ، وليس فيه إلاَّ الطهور . وفي ( صحيح ابن خزيمة ) من حديث الدكين عن حصين عنه بلفظ : فذكرت ذلك للنبي ، عليه الصلاة والسلام . أو ذكر له . وفي ( صحيح الحافظ أبي عوانة ) من حديث عبيدة عنه : ( يغسل أنثييه وذكره ويتوضأ وضوء للصلاة ) . وفي هذا رد لما ذكره أبو داود عن أحمد ما قال : غسل الأنثيين إلاَّ هشام بن عروة في حديثه . وأما الأحاديث كلها فليس فيها ذا ، وفي ( صحيح ابن حبان ) من حديث رافع بن خديج : ( أن عليا أمر عماراً أن يسأل النبي ، عليه الصلاة والسلام ، فقال : يغسل مذاكيره ) . وفي ( صحيح ابن خزيمة ) : أخبرنا يونس عن عبد الأعلى أخبرنا ابن وهب أن مالكاً حدثه عن سالم بن أبي النضر عن سليمان بن يسار عن المقداد ( أنه سأل النبي ، عليه الصلاة والسلام ، عن الرجل يدنو من امرأته فلا ينزل ؟ قال : إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح فرجه ) . زاد ابن حبان عن عطاء : أخبرني عايش ابن أنس قال : تذاكر علي وعمار والمقداد المذي ، فقال علي : إني ، رجل مذاء ، فسألا عن ذلك النبي ، عليه الصلاة والسلام ، قال عايش : فسأله أحد الرجلين . عمار أو المقداد . قال عطاء : وسماه عايش فنسيته ، قال أبو عمر : رواية يحيى عن مالك : ( فلينضح فرجه ) . وفي رواية ابن بكير والقعنبي وابن وهب : ( فليغسل فرجه وليتوضأ وضوءه للصلاة ) . وهذا هو الصحيح ، وبه رواه عبد الرزاق عن مالك ، كما رواه يحيى : ( ولينضح فرجه ) . ولو صحت رواية يحيى ومن تابعه كانت مجملة تفسرها رواية غيره ،