العيني
51
عمدة القاري
في رواية البخاري بفتح الزاي ، وبالفاء . قال الجوهري : يقال نزفه الدم إذا خرج منه دم كثير حتى يضعف ، فهو نزيف ومنزوف ، وقال ابن التين : هكذا رويناه ، والدي عند أهل اللغة : نزف دمه ، على صيغة المجهول ، أين : سال دمه . وقال ابن جني : أنزفت البئر وأنزفت هي ، جاء مخالفاً للعادة . وفي ( المحكم ) : أنزفت البئر : نزحت . وقال ابن طريق : تميم تقول : أنزفت ، وقيس تقول : نزفت ، ونزفه الحجام ينزفه وينزفه : أخرج دمه كله ، ونزفه الدم ، وإن شئت قلت : أنزفه ، وحكى الفراء : أنزفت البئر : ذهب ماؤها . الخامس في استنباط الاحكام منه احتج الشافعي ومن معه بهذا الحديث : أن خروج الدم وسيلانه من غير السبيلين لا ينقض الوضوء ، فإنه لو كان ناقضاً للطهارة لكانت صلاة الأنصاري به تفسد أول ما أصابه الرمية ، ولم يكن يجوز له بعد ذلك أن يركع ويسجد وهو محدث ، واحتج أصحابنا الحنفية بأحاديث كثيرة أقواها وأصحها ما رواه البخاري في ( صحيحه ) عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، قالت : ( جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ، عليه الصلاة والسلام ، فقال : يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر ، أفأدع الصلاة ؟ قال : لا إنما ذلك عرق وليست بالحيضة ، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة ، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم . قال هشام : قال أبي : ثم توضيء لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت ) . لا يقال : قوله : ( ثم توضيء لكل صلاة ) ، من كلام عروة ، لأن الترمذي لم يجعله من كلام عروة وصححه . وأما احتجاج الشافعي ومن معه بذلك الحديث فمشكل جداً ، لأن الدم إذا سال أصاب بدنه وجلده ، وربما أصاب ثيابه ومن نزل عليه الدماء مع إصابة شيء من ذلك ، وإن كان يسيراً لا تصح صلاته عندهم ، ولئن قالوا : إن الدم كان يخرج من الجراحة على سبيل الزرق حتى لا يصيب شيئاً من ظاهر بدنة إن كان كذلك فهو أمر عجيب وهو بعيد جداً ، وقال الخطابي : لست أدري كيف يصح الاستدلال به والدم إذا سال يصيب بدنه وربما أصاب ثيابه ، ومع إصابة شيء من ذلك ، وإن كان يسيراً . لا تصح صلاته ، وقال بعضهم : ولو لم يظهر الجواب عن كون الدم أصابه فالظاهر أن البخاري كان يرى أن خروج الدم في الصلاة لا يبطل ، بدليل أنه ذكر عقيب هذا الحديث اثر الحسن البصري ، قال : ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم . قلت : هذا أعجب من الكل وأبعد من العقل ، وكيف يجوز هذا القائل نسبة جواز الصلاة مع خروج الدم فيها مع غير دليل قوي إلى البخاري ؟ وأثر الحسن لا يدل على شيء من ذلك أصلاً ، لأنه لا يلزم من قوله : ( يصلون في جراحاتهم ) ، أن يكون الدم خارجاً وقتئذ ، ومن له جراحة لا يترك الصلاة لأجلها بل يصلي وجراحته إما معصبة بشيء ، أو مربوطة بجبيرة ، ومع ذلك لو خرج شيء من ذلك تفسد صلاته بمجرد الخروج ، ولا بد من سيلانه ووصوله إلى موضع يلحقه حكم التطهير . وقال الحَسَنُ ما زَال المُسْلِمُونَ يُصَلُّونَ فِي جِرَاحاتِهِمْ اي : قال الحسن البصري : ومعناه يصلون في جراحاتهم من غير سيلان الدم ، والدليل عليه ما رواه ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) : عن هشام عن يونس عن الحسن : أنه كان لا يرى الوضوء من الدم إلاَّ ما كان سائلاً ، هذا الذي روي عن الحسن بإسناد صحيح هو مذهب الحنفية ، وحجة لهم على الخصم ، فبطل بذلك قول القائل المذكور ، ولو لم يظهر الجواب . . . إلى آخره ، ولم يكن المراد من أثر الحسن ما ذهب إليه فهمه بل وهمه ، فذلك مع علمه ووقوفه على الذي رواه ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) المذكور تركه ، ولم يذكره لكونه يرد عليه ما ذهب إليه ، ويبطل ما اعتمد عليه ، وليس هذا شأن المنصفين وإنما هذا دأب المعاندين المعتصبين الذي يدقون الحديد البارد على السندان . وقالَ طَاوُسٌ ومُحمَّدُ بنُ عَلِيٍّ وأهْلُ الحِجَازِ لَيْسَ فِي الدَّمِ وُضُوءٌ طاوس هو ابن كيسان اليماني الحميري ، أحد الأعلام التابعين وخيار عباد الله الصالحين . قال يحيى بن معين : اسمه ذكوان ، وسمي طاوساً لأنه كان طاوس القراء ، ووصل أثره ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن عبيد الله بن موسى عن حنظلة عن طاوس أنه كان لا يرى في الدم السائل وضوء يغسل منه الدم ثم حبسه ، وهذا ليس بحجة لهم لأنهم لا يرون العمل بفعل التابعي ، ولا هو حجة على الحنفية من وجهين : الأول : أنه لا يدل على أن طاوساً كان يصلي والدم سائل . والثاني : وإن سلمنا ذلك ، فالمنقول عن أبي حنيفة أنه كان يقول : التابعون رجال ونحن رجال يزاحموننا ونزاحمهم ، والمعنى أن أحداً منهم إذا أدى