العيني
46
عمدة القاري
الدم ، ويدفع ذلك بأن المقام مقام التعريف ، ولو كان ذلك واجباً لبينه ، عليه الصلاة والسلام ، وقال الكرماني : وجه ارتباط هذا الحديث بالترجمة على ما في بعض النسخ من لفظ : ( وأكلها ) ، بعد لفظ المسجد كما ذكر مالك عند قوله : ( وسؤر الكلاب وممرها في المسجد ) . الثاني : أن في إطلاق الكلب دلالة لإباحة صيد جميع الكلاب المعلمة من الأسود وغيرها ، وقال أحمد : لا يحل صيد الكلب الأسود لأنه شيطان ، وإطلاق الحديث حجة عليه . الثالث : أن التسمية شرط لقوله عليه الصلاة والسلام : ( فإنما سميت على كلبك ) . اي : ذكرت اسم الله تعالى على كلبك عند إرساله ، وعلم من ذلك أنه لا بد من شروط أربعة حتى يحل الصيد . الأول : الإرسال . والثاني : كونه معلماً . والثالث : الإمساك على صاحبه بأن لا يأكل منه . والرابع : أن يذكر اسم الله عليه عند الإرسال . واختلف العلماء في التسمية ، فذهب الشافعي إلى أنها سنة فلو تركها عمداً أو سهواً يحل الصيد ، والحديث حجة عليه . وقالت الظاهرية : التسمية واجبة فلو تركها سهواً أو عمداً لم يحل . وقال أبو حنيفة : لو تركها عمداً لم يحل ولو تركها سهواً يحل ، وسيجئ مزيد الكلام فيه في كتاب الذبائح . الرابع : فيه إباحة الاصطياد للاكتساب والحاجة والانتفاع به بالأكل وغيره ودفع الشر والضرر ، واختلفوا فيمن صاد للهو والتنزه ، فأباحه بعضهم وحرمه الأكثرون . وقال مالك : إن فعله ليذكيه فمكروه ، وإن فعله من عير نية التذكية فحرام لأنه فساد في الأرض وإتلاف نفس . الخامس : فيه التصريح بمنع أكل ما أكل منه الكلب . السادس : فيه أن مقتضى الحديث عدم الفرق بين كون المعلم ، بكسر اللام ، ممن تحل ذكاته أو لا ، وذكر ابن حزم في ( المحلى ) عن قوم اشتراط كونه ممن تحل ذكاته ، وقال قوم : لا يحل صيد جارح علمه من لا يحل أكل ما ذكاه ، وروي في ذلك آثار : منها عن يحيى بن عاصم عن علي ، رضي الله تعالى عنه ، أنه كره صيد باز المجوسي وصقره . ومنها : عن ابن الزبير عن جابر ، رضي الله تعالى عنه ، قال : لا يؤكل صيد المجوسي ولا ما أصابه سهمه . ومنها : عن خصيف قال : قال ابن عباس ، رضي الله تعالى عنهما : لا تأكل ما صيد بكلب المجوسي وان سميت ، فإنه من تعليم المجوسي ، قال تعالى : * ( تعلمونهن مما علمكم الله ) * ( المائدة : 4 ) وجاء هذا القول عن عطاء ومجاهد والنخعي ومحمد وابن علي ، وهو قول سفيان الثوري . السابع : فيه أن الإرسال شرط حتى لو استرسل بنفسه يمنع من أكل صيده ، وقالت الشافعية : ولو أرسل كلباً حيث لا صيد فاعترضه صيد فأخذه لم يحل على المشهور عندنا ، وقيل : يحل . ثم إعلم أن الصيد حقيقة في المتوحش ، فلو استأنس ففيه خلاف العلماء على ما يأتي في كتاب الصيد إن شاء الله تعالى . الثامن : الحديث صريح في منع ما أكل منه الكلب ، وفي حديث أبي ثعلبة الخشني في سنن أبي داود بإسناد حسن : كله وإن أكل منه الكلب . قلت : التوفيق بين الحديث بأن يجعل حديث أبي ثعلبة أصلا في الإباحة ، وأن يكون النهي في حديث عدي بن حاتم على معنى التنزيه دون التحريم قاله الخطابي ، وقال أيضاً : ويحتمل أن يكون الأصل في ذلك حديث عدي ، ويكون النهي عن التحريم الثابت ، فيكون المراد بقوله : وإن أكل منه الكلب ، فيما مضى من الزمان وتقدم منه ، لا في هذه الحالة ، وذلك لأن من الفقهاء من ذهب إلى أنه إذا أكل الكلب المعلم من الصيد مرة ، بعد أن كان لا يأكل ، فإنه يحرم كل صيد كان قد اصطاده ، فكأنه قال : كل منه وإن كان قد أكل فيما تقدم إذا لم يكن قد أكل منه في هذه الحالة . قلت : هذا الذي ذكره هو قول أبي حنيفة ، وأول بهذا التأويل ليكون الحديث حجة عليه وليس الأمر كذلك ، فإن في ( الصحيحين ) : ( إذا أرسلت كلابك المعلمة ، وذكرت اسم الله تعالى ، فكل مما أمسكن عليك إلا أن يأكل الكلب فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه ( . 34 ( ( بابُ مَنْ لَمْ يَرَ الوُضُوءَ إلاَّ مِنَ المَخْرجَيْنِ القُبُلِ والدُّبُرِ ) ) أي : هذا باب في بيان قول من لم ير الوضوء إلاَّ من المخرجين ، وهو تثنية مخرج ، بفتح الميم ، وبين ذلك بطريق عطف البيان بقوله : ( القبل والدبر ) ، ويجوز أن يكون جرهما بطريق البدل ، والقبل يتناول الذكر والفرج ، ، وقال الكرماني : فإن قلت : للوضوء أسباب أخر مثل النوم وغيره ، فكيف حصر عليهما ؟ قلت : الحصر إنما هو بالنظر إلى اعتقاد الخصم ، إذ هو رد لما اعتقده ، والاستثناء مفرغ ، فمعناه : من لم ير الوضوء من مخرج من مخارج البدن إلاَّ من هذين المخرجين ، وهو رد لمن رأى أن الخارج من البدن بالفصد مثلاً ناقض الوضوء ، فكأنه قال : من لم ير الوضوء إلاَّ من المخرجين لا من مخرج آخر كالفصد ، كما هو اعتقاد الشافعي . قلت : فيه مناقشة من وجوه . الأول : أنه جعل مثل النوم سبباً للوضوء ، وليس كذلك ، لأن