العيني

39

عمدة القاري

محمد بن سيرين عن أبي هريرة : ( طهور إناء أحدكم إذا ولع فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب ، وإذا ولغت فيه الهرة غسله مرة واحدة ) . وأخرجه أبو داود في الطهارة عن مسدد . وأخرجه الترمذي فيه عن سوار بن عبد الله العنبري ، كلاهما عن معتمر بن سليمان به ، ووقفه مسدد ورفعه سواه . وقال الترمذي : حديث حسن صحيح . وقال أبو داود : ذكر الهر موقوف . وقال البيهقي : مدرج . بيان المعاني قوله : ( إذا شرب الكلب ) كذا هو في ( الموطأ ) ، والمشهور عن أبي هريرة من رواية جمهور أصحابه عنه : ( إذا ولغ ) ، وهو المعروف في اللغة . وقال الكرماني : ضمن : شرب ، معنى : ولغ ، فعدي تعديته . يقال : ولغ الكلب من شرابنا ، كما يقال : في شرابنا ، ويقال : ولغ شرابنا أيضاً . قلت : الشارع أفصح الفصحاء ، وروي عنه : ( شرب ) ، و : ( ولغ ) ، لتقاربهما في المعنى ، ولا حاجة إلى هذا التكلف . فان قلت : الشرب أخص من الولوغ فلا يقوم مقامه . قلت : لا نسلم عدم قيام الأخص مقام الأعم ، لأن الخاص له دلالة على العام اللازم ، كلفظ الإنسان له دلالة على مفهوم الحيوان بالتضمن ، لأنه جزء مفهومه ، وكذا له دلالة على مفهوم الماشي بالقوة بالالتزام ، لكونه خارجاً عن معنى الإنسان لازماً له ، فعلى هذا يجوز أن يذكر الشرب ويرادبه الولوغ . وادعى ابن عبد البر أن لفظة : شرب ، لم يروه إلاَّ مالك ، وأن غيره رواه بلفظ : ولغ ، وليس كذلك ، فقد رواه ابن خزيمة وابن المنذر من طريقين عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة بلفظ : ( إذا شرب ) ، لكن المشهور عن هشام بن حسان بلفظ : ( إذا ولغ ) ، كذا أخرجه مسلم وغيره من طريق عنه ، وقد رواه عن أبي الزناد شيخ مالك بلفظ : ( إذا شرب ) ، وروي أيضا عن مالك بلفظ : ( إذا ولغ ) أخرجه أبو عبيد في ( كتاب الطهور ) له عن إسماعيل بن عمر عنه ، ومن طريقه أورده الإسماعيلي ، وكذا أخرجه الدارقطني في ( الموطأ ) له من طريق أبي علي الحنفي . بيان استنباط الاحكام الأول : فيه دلالة على نجاسة الكلب ، لأن الطهارة لا تكون إلاَّ عن حدث أو نجس ، والأول منتف فتعين الثاني ، فإن قلت : استدل البخاري في هذا الباب المشتمل على الحكمين على الحكم الثاني وهو سؤر الكلب بالأثر الذي رواه عن الزهري والثوري ، ثم استدل بهذا الحديث المرفوع ، فما وجه دلالة هذا على ما ادعاه ، والحال أن الحديث يدل على خلاف ما يقوله ؟ قلت : أجاب عنه من ينصره ويتغالى فيه بأن سؤر الكلب طاهر ، وأن الأمر بغسل الإناء سبعاً من ولوغه أمر تعبدي ، فلا يدل على نجاسته . قلت : هذا بعيد جداً ، لأن دلالة ظاهر الحديث على خلاف ما ذكروه ، على أنا ، ولئن سلمنا أنه يحتمل أن يكون الامر لنجاسته ، ويحتمل أن يكون للتعبد ، ولكن رجح الأول ما رواه مسلم : ( طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب ) ، وروايته أيضاً ( إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرات ) ، ولو كان سؤره طاهراً لما أمر بإراقته ، والذي قالوه نصرة للبخاري بغير ما يذكر عن المالكية . فان قلت : من قال إن البخاري ذهب إلى ما نسبوه له ؟ قلت : قال ابن بطال في شرحه : ذكر البخاري أربعة أحاديث في الكلب ، وغرضه من ذلك إثبات طهارة الكلب وطهارة سؤره . أقول : كلام ابن بطال ليس بحجة ، فلم ، لا يجوز أن يكون غرضه بيان مذاهب الناس فبين في هذا الباب مسألتين : أولاهما الماء الذي يغسل به الشعر ، والثانية : سؤر الكلاب ؟ بل الظاهر هذا ، والدليل عليه أنه قال في المسألة الثانية : وسؤر الكلاب ، واقتصر على هذه اللفظة ولم يقل وطهارة سؤر الكلاب . الثاني : فيه نجاسة الإناء ، ولا فرق بين الكلب المأذون في اقتنائه وغيره ، ولا بين الكلب البدوي والحضري لعموم اللفظ ، وللمالكية فيه أربعة أقوال : طهارته ، ونجاسته ، وطهارة سؤر المأذون في اتخاذه دون غيره ، والفرق بين الحضري والبدوي . وقال الرافعي في ( شرحه الكبير ) : وعند مالك لا يغسل في غير الولوغ ، لأن الكلب طاهر عنده . والغسل من الولوغ تعبدي . وقال الخطابي : إذا ثبت أن لسانه الذي يتناول به الماء نجس ، علم أن سائر أجزائه في النجاسة بمثابة لسانه ، فأي جزء من بدنه مسه وجب تطهيره . الثالث : فيه دليل على أن الماء النجس يجب تطهير الإناء منه . الرابع : قال الكرماني : فيه دليل على تحريم بيع الكلب إذ كان نجس الذات ، فصارت كسائر النجاسات . قلت : يجوز بيعه عند أصحابنا لأنه منتفع به حراسةً واصطياداً . قال الله تعالى * ( وما علمتم من الجوارح