العيني

31

عمدة القاري

على المظروف ، بل من حيث كونه دالاً عليه إجمالاً ومتقاضياً له بوجه ما ، والعجب من الكرماني حيث نفى كونه بدل الاشتمال لكون الشرط أن يكون بينهما ملابسة بغير الجزئية والكلية . وههنا الشرط منتف . ثم يقول : ما قولك فيه ؟ ثم يجيب بأنه بدل الاشتمال ، وههنا الملابسة موجودة ، ومع هذا قوله : لكون الشرط . إلى آخره ، ليس على الإطلاق لأنه يدخل فيه بعض الغلط ، نحو : جاءني زيد غلامه أو حماره ، ولقيت زيداً أخاه . ولا شك في كونها بدل الغلط . ومن العجيب أيضاً أنه قال : ولا يجوز أن يكون بدل الغلط لأنه لا يقع في فصيح الكلام ، ثم قال : أو هو بدل الغلط وقد يقع في الكلام الفصيح قليلاً ، ولا منافاة بين الغلط والبلاغة . قلت : لا يقع بدل الغلط الصرف ولا بدل النسيان في كلام الفصحاء ، وإنما يقع بدل البداء في كلام الشعراء للمبالغة والتفنن ، وبدل البداء أن يذكر المبدل منه عن قصد وتعمد ثم يتدارك بالثاني ، ويدل الصرف وهو يدل على غلط صريح فيما إذا أردت أن تقول : جاءني حمار فيسبقك لسانك إلى رجل ثم تداركت الغلط فقلت : حمار ، وبدل النسيان أن تتعمد ذكر ما هو غلط ، ولا يسبقك لسانك إلى ذكره ، لكن تنسى المقصود ثم بعد ذلك تتداركه بذكر المقصود ، فمن هذا عرفت أن أنواع بدل الغلط ثلاثة . فإن قلت : في رواية أبي الوقت : ( وفي شأنه ) ، بإثبات الواو ، قلت : على هذا يكون عطف العام على الخاص ، وهو ظاهر . فان قلت : هل يجوز أن تقدر : الواو ، وفي الرواية الخالية عن : الواو ؟ قلت : جوزه بعض النحاة إذا قامت قرينة عليه . وقال بعضهم ناقلاً عن الكرماني من غير تصريح به ، قوله : ( في شأنه كله ) بدون : الواو ، متعلق : بيعجبه ، لا : بالتيمن ، أي يعجبه في شأنه كله التيمن في تنعله . . . إلى آخره أي : لا يترك ذلك سفراً ولا حضراً ، ولا في فراغة ولا شغله ونحو ذلك . قلت : كلام الناقل والمنقول منه ساقط ، لأنه يلزم منه أن يكون إعجابه التيمن في هذه الثلاثة مخصوصة في حالاته كلها ، وليس كذلك ، بل كان يعجبه التيمن في كل الأشياء في جميع الحالات . ألا ترى أنه أكد الشأن بمؤكد ؟ والشأن بمعنى الحال ، والمعنى في جميع حالاته ؟ ثم قال هذا الناقل : وقال الطيبي ، في قوله : ( في شأنه ) بدل من قوله : ( في تنعله ) ، بإعادة العامل ، وكأنه ذكر التنعل لتعلقه بالرجل ، والترجل لتعلقه بالرأس ، والطهور لكونه مفتاح أبواب العبادة ، فكأنه نبه على جميع الأعضاء ، فيكون كبدل الكل من الكل . قلت : هذا لم يتأمل كلام الطيبي ، لأن كلامه ليس على رواية البخاري وإنما هو على رواية مسلم ، وهي : ( كان رسول الله ، عليه الصلاة والسلام ، يحب التيمن في شأنه كله : في تنعله وترجله ) . لأن صاحب المشكاة نقل عبارة مسلم ، وقال الطيبي في شرحه : بهذه العبارة أقول . قوله : ( في طهوره وترجله وتنعله ) بدل من قوله : ( في شأنه ) ، بإعادة العامل ولعله إنما بدأ فيها بذكر الطهور لأنه فتح لأبواب الطاعات كلها ، وثنى بذكر الترجل وهو يتعلق بالرأس ، وثلث بالتنعل وهو مختص بالرجل ليشمل جميع الأعضاء ، فيكون كبدل الكل من الكل ، والعجب من هذا الناقل أنه لما نقل كلام الطيبي على رواية مسلم ، ثم قال : ووقع في رواية مسلم بتقديم قوله : ( في شأنه كله ) على قوله في : تنعله . إلى آخره ، قال : فيكون بدل البعض من الكل ، فكأنه ظن أن كلام الطيبي من الرواية التي فيها ذكر الشان متأخراً كما هي رواية البخاري هنا ، ثم قال : ووقع في رواية مسلم بتقديم قوله : ( في شأنه ) ، وهذا كما ترى فيه خبط ظاهر . بيان المعاني قوله : ( التيمن ) لفظ مشترك ترك بين الابتداء باليمين ، وبين تعاطي الشيء باليمين ، وبين التبرك وبين قصد اليمن ، ولكن القرينة دلت على أن المراد المعنى الأول . قوله : ( في تنعله . . . ) إلى آخره زاد أبو داود فيه عن مسلم بن إبراهيم عن شعبة : ( وسواكه ) ، وفي رواية لأبي داود : ( كان يحب التيامن ما استطاع في شأنه ) ، وفي رواية للبخاري أيضاً عن شعبة : ( ما استطاع ) ، فنبه على المحافظة على ذلك ما لم يمنع مانع ، وفي رواية ابن حبان : ( كان يحب التيامن في كل شيء حتى في الترجل والانتعال ) . وفي رواية ابن منده : ( كان يحب التيامن في الوضوء والانتعال ) . قوله : ( كله ) تأكيد لقوله : ( في شأنه ) ، فإن قلت : ما وجه التأكيد وقد استحب التياسر في بعض الأفعال كدخول الخلاء ونحوه ؟ قلت : هذا عام مخصوص بالأدلة الخارجية . قال الكرماني : وما من عام إلا وقد خص : إلاَّ * ( والله بكل شيء عليم ) * ( البقرة : 282 ، النساء : 2176 ، النور : 35 و 64 الحجرات : 16 ، التغابن : 11 ) . قلت : إن أراد به أنه يقبل التخصيص أو يحتمله فمسلم ، وإن أراد بالإطلاق ففيه نظر . وقال الشيخ محيي الدين : هذه قاعدة مستمرة في الشرع ، وهي أن ما كان من باب التكريم والتشريف : كلبس الثوب والسراويل والخف ودخول المسجد والسواك والاكتحال وتقليم الأظافر وقص الشارب وترجيل الشعر ونتف