العيني
288
عمدة القاري
وأَمْسِكِي عَنْ عَمْرتِكِ فَفَعَلْتُ فَلَمَّا قَضَيْتُ الحَجَّ أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمانِ لَيْلَةَ الحَصبةِ فَأَعْمَرَنِي مِنَ التَّنْعيمِ مَكانَ عَمْرَتِي الَّتي نَسَكْتُ . قال الداودي ومن تبعه ليس فيه دليل على الترجمة لأن أمرها بالامتشاط كان للإهلال وهي حائض ، لا عند غسلها أجاب الكرماني عن هذا بأن الإحرام بالحج يدل على غسل الإحرام لأنه سنة ، ولما سن الامتشاط عند غسله فعند غسل الحيض بالطريق الأولى ، لأن المقصود منه التنظيف ، وذلك عند إرادة إزالة أثر الحيض الذي هو نجاسة غليظة أهم أو لأنَّه إذا سن في النفل ففي الفرض أولى ، وقيل : إن الإهلال بالحج يقتضي الاغتسال صريحاً في هذه القصة ، فيما أخرجه مسلم من طريق ابن الزبير عن جابر ولفظه : ( فاغتسلي ثم أهلي بالحج ) وقيل : جرت عادة البخاري في كثير من التراجم أنه يشير إلى ما تضمنه بعض طرق الحديث ، وإن لم يكن منصوصاً فيما ساقه كما ذكرنا في باب المرأة نفسها . ذكر رجاله وهم خمسة : الأول : موسى بن إسماعيل النبوذكي . الثاني : إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف المدني نزيل بغداد . الثالث : محمد بن مسلم بن شهاب الزهري . الرابع : عروة بن الزبير بن العوام . الخامس : عائشة رضي الله تعالى عنها . ذكر لطائف إسناده فيه : التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع : وفيه : العنعنة في موضعين . وفيه : أن رواته ما بين بصري ومدنيين . وفيه : أن إبراهيم يروي عن الزهري بلا واسطة ، وروي عنه في باب تفاضل أهل الإيمان بواسطة ، روى عن صالح عن الزهري . ذكر معانيه قولها : ( أهللت ) أي : أحرمت ورفعت الصوت بالتلبية ، قولها : ( فيمن تمتع ) فيه التفات من المتكلم إلى الغائب لأن أصله أن يقال : تمتعت ، ولكن ذكر باعتبار لفظ من قولها : ( الهدى ) بفتح الهاء وسكون الدال وبكسرها مع تشديد الباء ، وهو اسم لما يهدى إلى مكة من الأنعام قال الكرماني : قوله : ( ولم يسق الهدى ) كالتأكيد لبيان التمتع ، إذ المتمتع لا يكون معه الهدي . قلت : المتمتع على نوعين : أحدهما : أنه يسوق الهدي معه ، والآخر : لا يسوق . وحكمهما مختلف كما ذكر في فروع الفقه قولها : ( فزعمت ) إنما لم يقل ، فقالت : لأنها لم تتكلم به صريحاً إذ هو مما يستحي في تصريحه ، قوله : وقالت : عطف على حاضت ، ويروي ، قالت ، بغير عطف قولها : ( تمتعت بعمرة ) تصريح بما علم ضمناً إذا التمتع هو أن يحرم بالعمرة في أشهر الحجر من على مسافة القصر من الحرم ، ثم يحرم بالحج في سنة تلك العمرة بلا عود إلى ميقات ، وبعد ففي هذا الكلام مقدر ، تقديره ، تمتعت بعمرة ، وأنا حائض . قوله : ( انقضى ) بضم القاف ، وفي بعض الروايات انفضى ، بالفاء ، والمضاف محذوف أي : شعر رأسك ، قولها : ( ففعلت ) أي : فعلت النقض والامتشاط والإمساك ، وهاهنا ، أيضاً مقدر ، وهو في قولها : ( فلما قضيت الحج ) أي : بعد إحرامي به ، وقضيت ، أي : أديت قولها : ( أمر عبد الرحمن ) أي امر رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن أبي بكر قولها ( ليلة الحصبة ) ، بفتح الحاء وسكون الصاد المهملتين ثم بالباء الموحدة ، وهي الليلة التي نزلوا فيها في المحصب ، وهو المكان الذي نزلوه بعد النفر من منىً خارج مكة ، وهي الليلة التي بعد أيام التشريق سميت بذلك لأنهم نفروا من منىً ، فنزلوا في المحصب وباتوا به ، والحصبة والحصباء والأبطح والبطحاء والمحصب وخيف بني كنانة يراد بها موضع واحد ، وهو بين مكة ومنىً ، قولها : ( فأعمرني ) ويروي ( فاعتمرني ) قولها : ( من التنعيم ) ، وهو تفعيل من النعمة ، وهو موضع على فرسخ من مكة على طريق المدينة ، وفيه مسجد عائشة رضي الله تعالى عنها ، قولها : ( التي نسكت ) من النسك ، كذا هو في رواية الأكثرين ، ومعناه : أحرمت بها ، أو قصدت النسك بها ، وفي رواية أبي زيد المروزي : ( سكت ) من السكوت أي : عمرتي التي تركت أعمالها ، وسكت عنها وروى القايسي : ( شكت ) بالشين المعجمة . أي : شكت العمرة ، من الحيض وإطلاق الشكاية عليها كناية عن إخلالها وعدم بقاء استقلالها ، ويجوز أن يكون الضمير فيه راجعاً ، إلى عائشة ، وكان حقه التكلم ، وذكره بلفظ الغيبة التفاتاً . ذكر استنباط الأحكام الأول : أن ظاهر هذا الحديث أن عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، أحرمت بعمرة أولاً ، وهو صريح حديثها الآتي في الباب الذي بعده ، لكن قولها في الحديث الذي مضى : ( خرجنا مع رسول الله صلى الله