العيني

266

عمدة القاري

هذا خطأ مثل ما قال معظم أئمة هذا الشأن ، ويكون الخطأ من بعض الرواة أو من عوام المحدثين لا من عائشة ، رضي الله تعالى عنها . قولها : ( وأنا حائض ) في الموضعين جملة حالية ، وكذلك قولها : ( وهو معتكف ) الاعتكاف في اللغة مجرد اللبث ، وفي الشريعة : لبث في المسجد مع الصوم ، والاعتكاف من باب الافتعال من : عكف يعكف عكوفاً إذا أقام ، وعكفه عكفاً إذا حبس . ذكر استنباط الأحكام منها : جواز اغتسال الرجل مع امرأته من إناء واحد ، وقد مر الكلام فيه مستوفىً . ومنها : جواز مباشرة الحائض وهي : الملامسة ، من لمس بشرة الرجل بشرة المرأة ، وقد ترد المباشرة بمعنى الجماع ، والمراد ههنا المعنى الأول بالإجماع . ثم اعلم أن مباشرة الحائض على أقسام : أحدها : حرام بالإجماع ، ولو اعتقد حله يكفر ، وهو أن يباشرها في الفرج عامداً ، فإن فعله غير مستحل يستغفر الله تعالى ولا يعود إليه ، وهل يجب عليه الكفارة أو لا ؟ فيه خلاف ، فذهب جماعة إلى وجوب الكفارة ، منهم : قتادة والأوزاعي وأحمد وإسحاق والشافعي في القديم ، وقال في الجديد : لا شيء عليه ، ولا ينكر أن يكون فيه كفارة لأنه وطء محظور كالوطء في رمضان . وقال أكثر العلماء ، لا شيء عليه سوى الاستغفار ، وهو قول أصحابنا أيضاً . وقال الثوري : ولو فعله غير معتقد حله ، فإن كان ناسياً أو جاهلاً بوجود الحيض أو جاهلاً تحريمه أو مكرهاً فلا إثم عليه ولا كفارة ، وإن كان عالماً بالحيض وبالتحريم مختاراً عامداً فقد ارتكب معصية نص الشافعي على أنها كبيرة ، ويجب عليه التوبة وفي وجوب الكفارة قولان : أصحهما ، وهو قول الأئمة الثلاثة : لا كفارة عليه . ثم اختلفوا في الكفارة ، فقيل : عتق رقبة ، وقيل : دينار ونصف دينار على اختلاف بينهم ، هل الدينار في أول الدم ونصفه في آخره ؟ أو الدينار في زمن الدم ونصفه بعد انقطاعه ؟ فإن قلت : روى أبو داود عن ابن عباس ، رضي الله تعالى عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يأتي امرأته وهي حائض ، قال : ( يتصدق بدينار أو بنصف دينار ) ورواه بقية الأربعة : قلت : رواه البيهقي وأعله بأشياء : منها : أن جماعة رووه عن شعبة ، موقوفاً على ابن عباس ، وأن شعبة رجع عن رفعه ، ومنها : أنه روي مرسلاً . ومنها : أنه روي معضلاً ، وهو رواية الأوزاعي عن يزيد بن أبي مالك عن عبد الحميد بن عبد الرحمن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أمرت أن يتصدق بخمسي دينار ) ، والمعضل نوع خاص من المنقطع ، فكل معضل منقطع ، وليس كل منقطع معضلاً ، وقوم يسمونه مرسلاً ، ومنها : أن في متنه اضطراباً ، لأنه روي : بدينار ، أو نصف دينار على الشك ، وروي : يتصدق بدينارد فإن لم يجد فبنصف دينار ، وروي : يتصدق بنصف دينار ، وروي : إن كان دماً أحمر فدينار ، وإن كان أصفر فنصف دينار ، وروي : إن كان الدم عبيطاً فليتصدق بدينار ، وإن كان صفرة فنصف دينار . قلت : هذا الحديث صححه الحاكم وابن القطان ، وذكر الحلال عن أبي داود أن أحمد قال : ما أحسن حديث عبد الحميد ، وهو أحد رواة هذا الحديث ، وهو من رجال الصحيحين ، وهو عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب بن نفيل القرشي الهاشمي العدوي ، عامل عمر بن عبد العزيز على الكوفة ، رأى عبد الله بن عباس وسأله ، وروى عن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، وقيل لأحمد : تذهب إليه ؟ قال : نعم ، إنما هو كفارة ، ثم إن شعبة إن كان رجع عن رفعه فإن غيره رواه مرفوعاً ، وهو عمرو بن قيس الملائي وهو ثقة ، ومن طريقه أخرجه النسائي ، وكذا رواه قتادة مرفوعاً وأسقطا في روايتهما عبد الحميد ، ومقتضى القواعد أن رواية الرفع أشبه بالصواب لأنه زيادة ثقة ، وأما ما لاوي فيه من خمسي ديناراً ، أو عتق نسمة ، وغير ذلك ، فما منها شيء يعول عليه ، ثم إن الذين ذهبوا إلى عدم وجوب الصدقة ، أجابوا أن قوله صلى الله عليه وسلم : ( يتصدق ) ، محمول على الاستحباب ، إن شاء تصدق وإلاَّ لا وعن الحسن أنه قال : عليه ما على من واقع أهله في رمضان . النوع الثاني من المباشرة : فيما فوق السرة وتحت الركبة بالذكرة أو بالقبلة أو المعانقة أو اللمس أو غيره ذلك ، فهذا حلال بالإجماع ، إلاَّ ما حكي عن عبيدة السلماني وغيره من أنه لا يباشر شيئاً منها ، فهو شاذ منكر مردود بالأحاديث الصحيحة المذكورة في ( الصحيحين ) وغيرهما في مباشرة النبي صلى الله عليه وسلم فوق الإزار . النوع الثالث : المباشرة فيما بين السرة والركبة في غير القبل والدبر ، فعند أبي حنيفة حرام ، وهو رواية عن أبي يوسف ، وهو الوجه الصحيح للشافعية ، وهو قول مالك : وقول أكثر العلماء منهم : سعيد بن المسيب وشريح وطاوس وعطاء وسليمان بن يسار وقتادة . وعند محمد بن الحسن وأبي يوسف في رواية يتجنب شعار الدم