العيني
260
عمدة القاري
وكلمة : في ، تأتي بمعنى على كما في قوله تعالى : * ( ولأصلبنكم في جزوع النخل ) * ( سورة طه : 71 ) أي : عليها ويجوز أن يقدر ، واضعاً رأسه على حجر امرأته ومستنداً إليه . ثم وجه المناسبة بين البابين من حيث اشتمال كل منها على حكم متعلق بالحائض ، وهو ظاهر . وكانَ أبو وَائِلٍ يُرْسِلُ خَادِمَهُ وهَيَ حائضٌ إلَى أبي رَزِينٍ فَتَأْتِيهِ بالمُصْحَفٍ فَتُمُسِكُهُ بَعِلاَقَتِهِ الكلام في هذا على أنواع . الأول : في وجه مطابقة هذا للترجمة فقال : صاحب ( التلويح ) وتبعه صاحب ( التوضيح ) لما ذكر البخاري حمل الحائض العلاقة التي فيها المصحف ، نطرها بمن يحفظ القرآن فهو حامله ، لأنه في جوفه ، كما روي عن سعيد ابن المسيب وسعيد بن جبير ، هو في جوفه ابن عباس ، رضي الله تعالى عنهما ، ورقة وهو جنب قال : في جوفي أكثر من هذا ونزل ثياب الحائض بمنزلة العلاقة ، وقراءة الرجل بمنزلة المصحف ، لكونه في جوفه . قلت : هذا في غاية البعد ، لأن بين قراءة الرجل في حجر امرأته ، وبين حمل الحائض المصحف بعلاقته بون عظيم من الجهة التي ذكرت ، لأن قوله : نظرها ، إما تشبيه وإما قياس ، فإن أراد به التشبيه ، وهو تشبيه محسوس بمعقول ، فلا وجه للتشبيه ، وإن أراد به القياس فشروطه غير موجودة فيه ، ويمكن أن يقال : وجه التطابق بينهما هو جواز الحكم في كل منهما ، فكما تجوز قراءة الرجل في حجر الحائض . فكذلك يجوز حمل الحائض المصحف بعلاقته ، وفي كل منهما دخل للحائض ، وفيه وجه التطابق . ثم لو قيل : ما قيل في ذلك فلا يخلو عن تعسف . النوع الثاني : أن هذا الأثر أخرجه ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) بسند صحيح ، فقال : حدثنا جرير عن مغيرة ، كان أبو وائل . فذكره . النوع الثالث : في معناه : فقوله : ( يرسل خادمه ) الخادم اسم لمن يخدم غيره ، ويطلق على الغلام والجارية ، فلذلك قال : وهي حائض ، فأنث الضمير . قوله : ( بعلاقته ) بكسر العين : ما يتعلق به المصحف ، وكذلك علاقة السيف ونحو ذلك . وأبو وائل : اسمه شقيق بن سلمة الأسدي أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره ، روى عن كثيرين من الصحابة ، وقال يحيى بن معين ثقة لا يسأل عن مثله ، قال الواقدي مات في خلافة عمر بن عبد العزيز ، رضي الله عنه ، وأبو رزين ، بفتح الراء وكسر الزاي المعجمة اسمه مسعود بن مالك الأسدي مولى أبي وائل وأبو الكوفي التابعي ، روى له مسلم والأربعة . النوع الرابع في استنباط الحكم منه . وهو جواز حمل الحائض المصحف بعلاقته ، وكذلك الجنب ، وممن أجاز ذلك عبد الله بن عمر بن الخطاب وعطاء والحسن البصري ، ومجاهد وطاوس وأبو وائل رزين وأبو حنيفة ومالك والشافعي والأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور والشعبي والقاسم بن محمد وقال ابن بطال : رخص في حمله الحكم وعطاء ابن أبي رباح وسعيد بن جبير وحماد بن أبي سليمان وأهل الظاهر ، ومنع الحكم مسه بباطن الكف خاصة ، وقال ابن حزم ، وقراءة القرآن والسجود فيه ومس المصحف وذكر الله تعالى جائز ، كل ذلك وضوء وبلا وضوء وللجنب والحائض ، وهو قول ربيعة وسعيد بن المسيب وابن جبير وابن عباس وداود وجميع أصحابنا ، وأما مس المصحف فإن الآثار التي احتج بها من لم يجز للجنب مسه ، فآنه لا يصح منها شيء لأنها إما مرسلة وإما صحيفة لا يستند به ، وأما عن ضعيف ، والصحيح عن ابن عباس عن أبي سفيان حديث هرقل الذي فيه و * ( يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا : * ( أشهدوا بأنا مسلمون ) * ( سورة آل عمران : 64 ) فهذا النبي صلى الله عليه وسلم قد بعث كتاباً فيه قرآن للنصاري ، وقد أيقن أنهم يمسونه ، فإن ذكروا حديث ابن عمر ، ( نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو ) قلنا : هذا حق يلزم اتباعه وليس فيه لا يمس المصحف جنب ولا كافر ، وإنما فيه أن لا ينال أهل الحرب القرآن فقط ، فإن قالوا : إنما بعث إلى هرقل بآية واحدة ، قيل : لهم : ولم يمنع من غيرها وأنتم أهل قياس ، فإن لم تقيسوا على الآية ما هو أكثر منها فلا تقيسوا على هذه الآية غيرها فإن ذكروا قوله جل وعلا : * ( لا يمسه إلا المطهرون ) * ( سورة الواقعة : 79 ) قلنا : لا حجة فيه لأنه ليس أمراً وإنما هو خير ، والرب تعالى لا يقول إلاَّ حقاً ولا يجوز أن يصرف لفظ الخبر إلى معنى الأمر إلاَّ بنص جلي أو إجماع متيقن ، فلما رأينا المصحف يمسه الطاهر وغير الطاهر علمنا أنه لم يعن المصحف ، وإنما عنى كتاباً آخر عنده كما جاء عن سعيد بن جبير في هذه الآية هم الملائكة الذين في السماء ، وكان علقمة إذا أراد أن يتخذ مصحفاً أمر نصرانياً فينسخه له ، وقال أبو حنيفة لا بأس أن يحمل الجنب المصحف بعلاقته ، وغير المتوضىء عنده كذلك ، وأبى ذلك مالك إلاَّ إن كان في خرج أو تابوت فلا بأس أن يحمله