العيني
26
عمدة القاري
واما الإعراب فقوله : ( رأيتك ) جملة من الفعل والفاعل والمفعول . وقوله : ( تصنع ) جملة من الفعل والفاعل في محل النصب على أنها مفعول ثان ( وأربعا ) مفعول : تصنع ، وكذلك الكلام في : رأيتك ، الثاني والثالث . وأما : رأيتك ، والخامس فإنه يحتمل أن يكون بمعنى الإبصار ، وبمعنى العلم وقوله : ( كنت ) ، يحتمل أن تكون تامة أو ناقصة ، و : ( بمكة ) ظرف لغو أو مستقر . وقوله : ( إذا ) في الموضعين يحتمل أن تكونا شرطيتين وأن تكونا ظرفيتين ، وأن تكون الأولى شرطية والثانية ظرفية وبالعكس . قوله : ( أهل ) يجوز أن يكون حالاً ، قاله الكرماني ، ولم يبين وجهه ، وليس هو إلاَّ جزاء إذا الأول ، وإذا الثاني مفسر له ، ويجوز أن يكون : أهل ، جزاء إذا الثاني على مذهب الكوفيين لأنهم جوزوا تقديمه على الشرط . قوله : ( حتى يكون يوم التروية ) يجوز في : كان ، أن تكون تامة وأن تكون ناقصة ، فإن كانت تامة يكون يوم ، مرفوعاً لأنه اسم : كان ، وإن كانت ناقصة تكون خبر : كان . قال الكرماني : فإن قلت : ذكر في جواب كل واحد من : رأيتك ، الأربع فعلاً رآه منه : فما هو ههنا يعني في : رأيتك الخامس ؟ وكان القياس أن يقول : رأيتك لم تهل حتى كان يوم التروية . قلت : أما أن يكون محذوفاً . والمذكور دليل عليه . وإما أن تكون الشرطية قائمة مقامه . قلت : هذا السؤال لا وجه له ، ، وما وجه القياس الذي ذكره . بيان المعاني قوله : ( أربعا ) أي : أربع خصال . قوله : ( لم أر أحداً من أصحابك يصنعها ) : يحتمل أن يكون مراده لا يصنعن أحد غيرك مجتمعة وإن كان يصنع بعضها ، وفي بعض النسخ : من أصحابنا ، أي : من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . وفي بعض النسخ : ومن أصحابك قوله : ( من الأركان ) أي : من أركان الكعبة الأربعة : واليمانيين ، الركن اليماني والركن اليماني الذي فيه الحجر الأسود ، ويقال له الركن العراقي لكونه إلى جهة العراق ، والذي قبله يماني لأنه من جهة اليمن . ويقال لهما : اليمانيان تغليباً لأحد الاسمين ، وهما باقيان على قواعد إبراهيم صلى الله عليه وسلم . فان قلت : لمَ لا قالوا : الأسودين ؟ ويأتي فيه التغليب أيضا ؟ قلت : لو قيل كذلك ربما كان يشتبه على بعض العوام أن في كل من هذين الركنين الحجر الأسود ، وكان يفهم التثنية ولا يفهم التغليب لقصور فهمه ، بخلاف : اليمانيين . قوله : ( يلبس ) ، بفتح الباء لأنه من باب فعل يفعل بكسر العين في الماضي ، وفتحها في المستقبل ، من باب علم يعلم . وأما الذي بفتح الباء في الماضي فمضارعه بكسر الباء من باب : ضرب يضرب ، فمصدر الأول : اللبس ، بضم اللام . ومصدر الثاني : اللبس ، بالفتح : وهو الخلط . قوله : ( تصبغ ) ، بضم الباء الموحدة وفتحها لغتان مشهورتان . قال الكرماني ، قلت : فيه ثلاث لغات ذكرها ابن سيده في ( المحكم ) يقال : صبغ الثوب والشيب ونحوهما يصبغه ، ويصبغه فالكسر عن اللحياني صبغاً وصبغا وصبغة ، وأما : الصبغة ، بالكسر فالمرة من الصبغ ، وصبغه . بالتشديد . أي : لونه ، عن أبي حنيفة . قوله : ( حتى كان يوم التروية ) وهو اليوم الثامن من ذي الحجة ، واختلفوا في سبب التسمية بذلك على قولين ، حكاهما الماوردي وغيره : أحدهما : لأن الناس يروون فيه من الماء من زمزم لأنه لم يكن بمنى ولا بعرفة ماء . والثاني : أنه اليوم الذي رأى فيه آدم صلى الله عليه وسلم حواء . قلت : وفيه قول أخر ، وهو : أن جبريل ، عليه الصلاة والسلام ، أرى فيه إبراهيم أول المناسك . وعن ابن عباس ، رضي الله تعالى عنهما : سمي بذلك لأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام أتاه الوحي في منامه أن يذبح ابنه ، فتروى في نفسه : من الله تعالى هذا أم من الشيطان ؟ فأصبح صائماً ، فلما كان ليلة عرفة أتاه الوحي ، فعرف أنه الحق من ربه ، فسميت عرفة ، رواه البيهقي في ( فضائل الأوقات ) من رواية الكلبي عن أبي صالح عنه . ثم قال : هكذا قال في هذه الرواية ، وروى أبو الطفيل عن ابن عباس : أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، لما ابتلي بذبح ابنه أتاه جبريل ، عليه الصلاة والسلام ، فأراه مناسك الحج ، ثم ذهب به إلى عرفة . قال : وقال ابن عباس : سميت عرفة لأن جبريل قال لإبراهيم ، عليهما الصلاة والسلام : هل عرفت ؟ قال : نعم ، فمن ثم سميت : عرفة . قوله : ( حتى تنبعث به راحلته ) ، يقال : بعثت الناقة : أثرتها فانبعثت هي ، وبعثه فانبعث في السير أي : أسرع ، والمعنى هنا : استواؤها قائمة . وفي الحقيقة هو كناية عن ابتداء الشروع في أفعال الحج ، والراحلة : هي المركب من الإبل ذكراً كان أو أنثى . قوله : ( ولم تهل أنت حتى كان ) . وفي رواية مسلم : ( حتى تكون ) ؟ قوله : ( قال عبد الله ) بن عمر بن الخطاب ، رضي الله تعالى عنهما ، لأنه هو المسؤول من جهة عبيد بن جريج . قوله : ( فإني أحب أن أصنع ) وفي رواية الكشميهني والباقين : ( فأنا أحب ) ، كالتي قبلها .