العيني
219
عمدة القاري
المقداد بن الأسود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسأله عن المذي يخرج من الإنسان ، كيف يفعل : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : توضأ وانضح فرجك ) وأخرج الطحاوي أيضاً من حديث حصين بن قبيصة عن علي ، رضي الله تعالى عنه . قال : ( كنت رجلاً مذاءً فسألت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : إذا رأيت المذي فتوضأ واغسل ذكرك ، وإذا رأيت المني فاغتسل ) وأخرجه أبو داود أيضاً من حديث حصين بن قبيصة عن علي ، رضي الله تعالى عنه ، قال : ( كنت رجلاً مذاءً ، فجعلت اغتسل حتى تشقق ظهري قال : فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم أو ذكر له ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تفعل إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك وتوضأ وضوءك للصلاة فإذا فضخت الماء فاغتسل ) الفضخ ، بالفاء وبالمعجمتين ، الدفق ، وأخرجه أحمد والطبراني أيضاً وفي رواية أحمد ( فليغسل ذكره وأنثييه ) وأخرجه النسائي والترمذي وابن ماجة من حديث عبد الرحمن ابن أبي ليلى عن علي ، رضي الله تعالى عنه ، فهذا كما رأيت هذا الاختلاف فيه ، ولكن لا خلاف في وجوب الوضوء ، ولا خلاف في عدم وجوب الغسل . وأما الاختلاف في السائل فقد ذكر فيما سقنا من الأحاديث أن في بعضها السائل هو علي ، رضي الله تعالى عنه ، بنفسه وفي بعضها السائل غيره ، ولكنه حاضر ، وفي بعضها هو المقداد ، وفي بعضها هو عمارد وجمع ابن حبان بين هذا الاختلاف أن علياً سأل عماراً أن يسأل ، ثم أمر المقداد بذلك . ثم سأل بنفسه ، وروى عبد الرزاق عن عائش بن أنس قال تذاكر علي والمقداد وعمار المذي ، فقال علي : إنني رجل مذاء فاسألا عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فسأله أحد الرجلين : وقال ابن شكوال : إن الذي تولى السؤال عن ذلك هو المقداد ، وصححه وقال بعضهم : وعلى هذا فنسبه عمار إلى أنه سأل عن ذلك محمولة على المجاز لكونه قصده ، لكن تولى المقداد الخطاب . قلت : كلاهما كانا مشتركين في هذا السؤال غير أن أحدهما قد سبق به ، فيحتمل أن يكون هذا المقداد ، ويحتمل أن يكون هو عماراً ، وتصحيح ابن شكوال على أنه هو المقداد يحتاج إلى برهان ، ودل ما ذكر في الأحاديث المذكورة أن كلاًّ منهما قد سأل ، وأن علياً سأل ، فلا يحتاج بعد هذا إلى زيادة حشو في الكلام فافهم . ذكر معانيه قوله : ( مذاء ) صيغة مبالغة . يعني : كثير المذي . قوله : ( فأمرت رجلاً ) قال الشراح المراد به المقداد قلت : يجوز أن يكون عماراً ويجوز أن يكون غيرهما قوله : ( لمكان ابنته ) أي بسبب أن ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها ، كانت تحت نكاحه ، وفي رواية مسلم من طريق ابن الحنفية ، عن علي من أجل فاطمة عليها السلام . قوله : ( توضأ ) أمر مجزوم ، خطاب للرجل الذي في قوله : ( فأمرت رجلاً ) على الاختلاف في تفسير الرجل . قوله : ( واغسل ذكرك ) هكذا وقع هاهنا بتقديم الأمر بالوضوء على غسله ، ووقع في العمدة عكسه منسوباً إلى البخاري ، واعترض عليه ، ولا يرد لأن ، الواو لا تدل على الترتيب على أنه قد وقع في رواية الطحاوي تقديم الغسل على الوضوء في رواية رافع بن خديج عن علي ، وقد ذكرناها . بيان استنباط الأحكام منها : جواز الاستتابة في الاستفتاء ، ويؤخذ منه جواز دعوى الوكيل بحضرة موكله . ومنها : قبول خبر الواحد ، والاعتماد على الخبر المظنون مع القدرة على المقطوع به ، فإن علياً اقتصر على قول المقداد مع تمكنه من سؤال النبي صلى الله عليه وسلم . ومنها : استحباب حسن العشرة مع الأصهار ، وأن الزوج يستحب له أن لا يذكر شيئاً يتعلق بجماع النساء والاستمتاع بهن بحضرة أبيها وأخيها وابنها وغيرهم من أقاربها ، ولهذا قال علي : رضي الله تعالى عنه ، فإن عندي ابنته وأنا استحي . ومنها : أن المذي يوجب الوضوء ولا يوجب الغسل ، والبا وضوع له . ومنها : كان الصحابة عليه من حفظ حرمة النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيره . ومنها : استعمال الأدب في ترك المواجهة بما يستحي منه عرفاً . ومنها : أن قوله : ( أغسل ذكرك ) هل يقتضي غسل جميع الذكر أو مخرج المذي , فهذا اختلفوا فيه ، فذهب بعضهم ، منهم الزهري ، إلى أنه يجب غسل جميع الذكر كله لظاهر الخبر ، ومنهم من أوجب غسل مخرج المذي وحده . وفي ( المعنى ) لابن قدامة . اختلفت الرواية في حكمه ، فروي أنه لا يوجب الاستنجاء والوضوء ، والرواية الثانية يجب غسل الذكر والأنثيين مع الوضوء ، وقال القاضي عياض : اختلف أصحابنا في المذي : هل يجزئ منه الاستجمار كالبول أو لا بد من الماء ؟ واختلفوا أيضاً هل يجب غسل جميع الذكر ؟ واختلفوا أيضاً هل يفتقر إلى النية في غسل ذكره أم لا ؟ وقال أبو عرم : المذي عند جميعهم يوجب الوضوء ما لم يكن خارجاً عن علة أو بردة أو زمانة ، فإن كان كذلك فهو أيضاً كالبول عند جميعهم ، فإن كان سلساً لا ينقطع فحكمه حكم سلس