العيني
204
عمدة القاري
فعلى هذا تعين الشك من الأعمش ، لكن موضعه مختلف . قوله : ( فغسل مذاكيره ) هو جمع ذكر على خلاف القياس كأنهم فرقوا بين الذكر الذي هو خلاف الأنثى ، والذكر الذي هو الفرج في الجمع ، وقال الأخفش : هو جمع لا واحد له ، كأبابيل . قلت قيل : إن الأبابيل جمع أبول : كعجاجيل جمع عجول . وقيل : هو جمع مذكار ، ولكنهم لم يستعملوه وتركوه ، والنكتة في ذكره بلفظ الجمع الإشارة إلى تعميم غسل الخصيتين وحواليهما كأنه جعل كل جزء من هذا المجموع كذكر في حكم الغسل . والأحكام التي تستنبط منها قد مر ذكرها . 6 ( ( بابُ مَنْ بَدَأَ بالحِلابِ أَوْ الطِيّبِ عِنْدَ الغُسْلِ ) ) أي : هذا باب في بيان حكم الذي بدأ بالحلاب إلى آخره ؛ استشكل القوم في مطابقة هذه الترجمة لحديث الباب ، فافترقوا ثلاث فرق : الفرقة الأولى : قد نسبوا البخاري إلى الوهم والغلط ، منهم الإسماعيلي فإنه قال في ( مستخرجه ) رحم الله أبا عبد الله . يعني من ذا الذي يسلم من الغلط ، سبق إلى قلبه أن الحلاب طيب ، أي : معنى للطيب عند الاغتسال قبل الغسل ، وإنما الحلاب إناء يحلب فيه ويسمى محلباً أيضاً ، وهذا الحديث له طريق يتأمل المتأمل بيان ذلك حيث جاء فيه ، كان يغتسل من حلاب ، رواه هكذا أيضاً ابن خزيمة وابن حبان وروى أبو عوانة في ( صحيحه ) عن يزيد بن سنان عن أبي عاصم بلفظ : ( كان يغتسل من حلاب ، فيأخذ غرفة بكفيه فيجعلها على شقه الأيمن ثم الأيسر ) كذا الحديث بقوله : ( يغتسل ) وقوله : ( غرفة ) أيضاً مما يدل على أن الحلاب إناء الماء وفي رواية لابن حبان والبيهقي : ( ثم صب على شق رأسه الأيمن ) ، والطيب لا يغبر عنه بالصب وروى الإسماعيلي من طريق بندار عن أبي عاصم بلفظ : ( كان إذا أراد أن يغتسل من الجنابة دعا بشيء دون الحلاب ، فأخذ بكفه ، فبدأ بالشق الأيمن ثم الأيسر ثم أخذ بكفيه ماء فأفرغ على رأسه ) فلولا قوله : ( ماء ) لأمكن حمله على الطيب قبل الغسل ، ورواية أبي عوانة أصرح من هذه ومن هؤلاء الفرقة ابن الجوزي حيث قال : غلط جماعة في تفسير الحلاب ، منهم البخاري ، فإنه ظن أن الحلاب شيء من الطيب ، الفرقة الثانية : منهم الأزهري ، قالوا هذا تصحيف وإنما هو : جلاب ، بضم الجيم وتشديد اللام ، وهو ماء الورد فارسي معرب . الفرقة الثالثة : منهم المحب الطبري ، قالوا لم يرد البخاري بقوله : أو الطيب ، ما له عرف طيب ، وإنما أراد تطييب البدن وإزالة ما فيه من وسخ ، ودرن ونجاسة إن كانت ، وإنما أراد بالحلاب الإناء الذي يغتسل منه ، يبدأ به فيوضع ماء الغسل . قال المحب : وكلمة . أو في قوله : أو الطيب بمعنى الواو ، كذا أثبت في بعض الروايات أقول ، وبالله التوفيق ، لا يظن أحد أن البخاري أراد بالحلاب ضرباً من الطيب لأن قوله : أو الطيب برفع ذلك ، ولم يرد إلاَّ إناء يوضع فيه ماء قال الخطابي : الحلاب إناء يسع قدر حلبة ناقة ، والدليل على أن الحلاب ظرف قول الشاعر : * صاح هل رأيت أو سمعت يراع * رد في الضرع ما بقي في الحلاب * وقال القاضي عياض : الحلاب والمحلب بكسر الميم ، وعاء يملؤه قدر حلب الناقة ، ومن الدليل على أن المراد من الحلاب غير الطيب عطف الطيب ، عليه بكلمة . أو ، وجعله قسيماً له ، وبهذا يندفع ما قاله الإسماعيلي : إن البخاري سبق إلى قلبه أن الحلاب طيب ، وكيف يسبق إلى قلبه ذلك وقد عطف ، الطيب ، عليه والمعطوف غير المعطوف عليه ؟ وكذلك دعوى الأزهري التصحيف غير صحيحة ، لأن المعروف من الرواية المهملة ، والتخفيف ، وكذلك أنكر عليه أبو عبيدة الهروي . وقال القرطبي : الحلاب بكر المهملة لا يصح غيرها وقد وهم من طنه الطيب وكذا من قاله بضم الجيم على أنه قوله بتشديد الللام غير صحيح . لأن في اللغة الفارسية ، ماء الورد ، هو جلاب بضم الجيم وتخفيف اللام ، أصله : كلاب فكل بضم الكاف الصماء وسكون اللام ، اسم للورد عندهم ، وآب ، بمد الهمزة وسكون الباء الموحدة اسم الماء ، والقاعدة عندهم إن المضاف إليه يتقدم على المضاف وكذلك الصفة تقدم على الموصوف ، وإنما الجلاب بتشديد اللام فاسم للمشروب . فإن قلت : إذا ثبت أن الحلاب اسم للإناء ، يكون المذكور في الترجمة شيئين : إحدهما : الإناء ، والآخر : الطيب ، وليس في الباب ذكر الطيب ، فلا يطابق الحديث الذي فيه إلاَّ بعض الترجمة قلت : قد عقد الباب لأحد الأمرين حيث جاء : أو الفاصلة دون ، الواو الواصلة فوقي بذكر أحدهما على أنه كثيراً أما يذكر في الترجمة شيئاً ولا يذكر في الباب حديثاً متعلقاً به لأمر يقتضي ذلك . فإن قلت : ما المناسبة بين ظرف الماء والطيب ؟ قلت : من حيث إن كلاًّ