العيني

189

عمدة القاري

الآخر ، أن كان يرادفه في الظاهر . ومنها : أنه لعله أوحى إليه بهذا اللفظ . فرأى أن يقف عنده . ومنها : أن ذكره احترازاً عمن أرسل من غيره نبوة ، كجبريل وغيره من الملائكة ، عليهم السلام ، لأنهم رسل الأنبياء . ومنها : أنه يحتمل أن يكون رده دفعاً للتكرار ، لأنه قال في الأول : ( ونبيك الذي أرسلت ) ، ومنها : أن النبي . فعيل ، بمعنى فاعل من النبأ ، وهو الخبر لأنه أنبأ عن الله تعالى ، أي : أخبر . وقيل : إنه مشتق من النبوة . وهو الشيء المرتفع ورد النبي صلى الله عليه وسلم على البراء حين قال : ( ونبيك الذي أرسلت ) بما رد عليه ليختلف اللفظان ، ويجمع البنائين معنى الارتفاع والإرسال ، ويكون تعديداً للنعمة في الحالتين ، وتعظيماً للمنة على الوجهين وقال بعضهم : ولأن لفظ النبي ، أمدح من لفظ : الرسول . قلت : هذا غير موجه . لأن لفظ النبي ، كيف يكون أمدح وهو لا يستلزم الرسالة بل لفظ الرسول أمدح لأنه يستلزم النبوة . بيان إعرابه قوله : ( فتوضأ ) الفاء فيه جواب قوله : ( رغبة ورهبة ) منصوبان على المفعول له على طريقة اللف والنشر ، أي فوضت أموري إليك رغبة ، وألجأت ظهري عن المكاره والشدائد إليك رهبة منك ، لأنه لا ملجأ ولا منجأ منك إلا إليك ويجوز أن يكون انتصابهما على الحال بمعنى : راغباً وراهباً . قلت : كيف يتصور أن يكون راغباً وراهباً في حالة واحدة لأنهما شيئان متنافيان ؟ قلت : فيه حذل تقديره راغباً إليك ، وراهباً منك . فإن قلت : إذا كان التقدير : راهباً منك ، كيف استعمل بكلمة إلى ، والرهبة لا تستعمل إلاَّ بكلمة . من ؟ قلت : إليك متعلق برغبة ، وأعطي للرهبة حكمها ، والعرب تفعل ذلك كثيراً ، كقول بعضهم . * ورأيت بعلك في الوغى * متقلداً سيفاً ورمحاً * والرمح لا يتقلد ، وكقول الآخر . علفتها تبناً وماءً بارداً والماء لا يعلف . قوله : ( لا ملجأ ولا منجأ ) إعرابهما مثل إعراب عصى ، وفي التركيب خمسة أوجه لأنه مثل : لا حول ولا قوة إلاَّ بالله ، والفرق بين نصبه وفتحه بالتنوين ، وعند التنوين تسقط الألف ، ثم إنهما كانا مصدري يتنازعان في منك ، وإن كانا مكانين فلا إذ اسم المكان لا يعمل ، وتقديره ، لا ملجأ منك إلى أحد إلاَّ إليك ، ولا منجأ إلاَّ إليك . قوله : ( آمنت بكتابك ) أي : صدقت أنه كتابك . وقوله : ( الذي أنزلت ) صفته ، وضمير المفعول محذوف ، والمراد بالكتاب القرآن ، وإنما خصص الكتاب بالصفة لتناوله جميع الكتب المنزّلة فإن قيل أين العموم ههنا حتى يجيء التخصص قلت المفرد المضاف يقيدد العموم لأن المعرفة . بالإضافة كالمعرف باللام يحتمل الجنس والاستغراق والعهد ، فلفظ الكتاب المضاف هاهنا يحتمل لجميع الكتب ولجنس الكتب ولبعضها كالقرآن ، وقالوا : جميع المعارف كذلك وقد قال الزمخشري : رحمه الله تعالى في قوله تعالى : * ( إن الذين كفروا سواء عليهم ) * ( سورة البقرة : 6 ) في أول البقرة : يجوز أن يكون للعهد ، وأن يراد بهم ناس بأعيانهم ، كأبي جهل وأبي لهب والوليد بن المغيرة وأضرابهم ، وأن يكون للجنس متناولاً منهم كل من صمم على كفره انتهى . قلت : التحقيق أن الجمع المعرف تعريف الجنس معناه جماعة الأحاد ، وهي أعم من أن يكون جميع الآحاد أو بعضها ، فهو إذا أطلق احتمل العموم والاستغراق ، واحتمل الخصوص ، والحمل على واحد منهما يتوقف على القرينة كما في المشترك ، هذا ما ذهب إليه الزمخشري ، وصاحب ( المفتاح ) ومن تبعهما وهو خلاف ما ذهب إليه أئمة الأصول . بيان استنباط الأحكام . منها ما قاله الخطابي : فيه : حجة لمن منع رواية الحديث بالمعنى ، وهو قول ابن سيرين وغيره ، وكان يذهب هذا المذهب : أبو العباس النحوي ، ويقول : ما من لفظه من الألفاظ المتناظرة في كلامهم إلاَّ وبينها وبين صاحبتها فرق ، وإن دق ولطف كقوله : بلى ونعم قلت : هذا الباب فيه خلاف بين المحدثين ، وقد عرف في موضعه ، ولكن لا حجة في هذا للمانعين لأنه يحتمل الأوجه التي ذكرناها بخلاف غيره . ومنها ما قاله ابن بطال : فيه أن الوضوء عند النوم مندوب إليه مرغوب فيه ، وكذلك الدعاء ، لأنه قد تقبض روحه في نومه فيكون قد ختم عمله بالوضوء والدعاء الذي هو أفضل الأعمال ، ثم إن هذا الوضوء مستحب وإن كان متوضئاً كفاه ذلك الوضوء ، لأن المقصود النوم على طهارة مخافة أن يموت في ليلته ، ويكون أصدق لرؤياه وأبعد من تلعب الشيطان به في منامه .