العيني
169
عمدة القاري
أذرع وإذا لم يكن بد من التخصيص فالتخصيص بالحديث أولى من التخصيص بالرأي من غير أصل يرجع إليه ، ولا دليل يعتمد عليه . قلنا : لا تسلمك أن تقديم الخاص على العام متعين ، بل الظاهر من مهب أبي حنيفة ، رضي الله عنه ترجيح العام على الخاص في العمل به ، كما في حديثكم حريم لئر الناضح فإنه رجح قوله : عليه السلام : من حفر بئراً فله مما حولها أربعون ذراعاً على الخاص الوارد في بئر الناضح أنه ستون ذراعاً ورجح قوله صلى الله عليه وسلم : ( ما أخرجت الأرض ففيه العشر ) على الخاص الوارد بقوله : ( ليس فيما دون خمسة أوسق صدقه ) ونسخ الخاص بالعام ، قولهم : التخصيص بالحديث أولى من التخصيص بالرأي قلنا : هذا إنما يكون إذا كان الحديث المخصص غير مخالف للإجماع ، وحديث القلتين خير آحاد ورد مخالفاً لإجماع الصحابة فيرد بيانه أن ابن عباس وابن الزبير رضي الله عنهم فتيا في زنجي وقع في بئر زمزم ، بنزج الماء كله ، ولم يظهر أثره في الماء ، وكان الماء أكثر من قلتين ، وذلك بمحضر من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، ولم ينكر عليهما أحد منهم ، فكان إجماعاً وخبر الواحد إذا ورد مخالفاً للإجماع يرد ، يدل عليه أن علي بن المديني قال : لا يثبت هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وكفى به قدوة في هذا الباب وقال أبو داود ، لا يكاد يصح لواحد من الفريقين حديث عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، في تقدير الماء . وقال صاحب ( البدائع ) ولهذا رجع أصحابنا في التقدير إلى الدلائل الحسية دون الدلائل السمعية . الثاني : استدل به أبو يوسف على نجاسة الماء المستعمل ، فإنه قرن بين الغسل فيه والبول فيه ، وأما البول فيه فينجسه ، فكذلك الغسل فيه وفي دلالة القران بين الشيئين على استوائهما في الحكم خلاف بين العلماء فالمذكور عن أبي يوسف والمزني ذلك ، وخالفهما غيرهما وقال بعضهم : واستدل به بعض الحنفية على تنجس الماء المستعمل ، لأن البول ينجس الماء ، فكذلك الاغتسال ، وقد نهى عنهما معاً ، وهو التحريم ، فدل على أن النجاسة فيهما ثابتة ، ورد بأنها دلالة قران وهي ضعيفة قلت : هذا عجب منه ، فإنه إذا كانت دلالة الاقتران صحيحة عنده ، فبقوله : وهي ضعيفة ، يرد على قائله : على أن مذهب أكثر أصحاب إمامه مثل مذهب بعض الحنفية ، ثم قال هذا القائل : وعلى تقدير تسليمها قد يلزم التسوية ، فيكون النهي عن البول لئلا ينجسه ، وعن الاغتسال فيه لئلا يسلبه الطهورية قلت : هذا أعجب من الأول ، لأنه تحكم حيث لا يفهم هذه التسوية من نظم الكلام ، والذي احتج به في نجاسة الماء المستعمل يقول بالتسوية من نظم الكلام . الثالث : النووي زعم أن النهي المذكور فيه للتحريم في بعض المياه ، والكراهة في بعضها ، فإن كان الماء كثيراً جارياً لم يحرم البول فيه لمفهوم الحديث ، ولكن الأولى اجتنابه ، وإن كان قليلاً جارياً فقد قال جماعة من أصحابنا : يكره ، والمختار أنه يحرم ، لأنه يقذره وينجسه على المشهور من مذهب الشافعي ، وإن كان كثيراً راكداً فقال أصحابنا يكره ولا يحرم ولو قيل يحرم لم يكن بعيداً وأما الراكد القليل فقد أطلق جماعة من أصحابنا أنه مكروه ، والصواب المختار : أنه حرام ، والتغوط فيه كالبول فيه ، وأقبح ، وكذا إذا بال في إناء ثم صبه في الماء قلت : زعم النووي أنه من باب استعمال اللفظ استعمال اللفظ الواحد في معنيين مختلفين ، وفيه من الخلاف ما هو معروف عند أهل الأصول . الرابع : أن هذا الحديث عام فلا بد من تخصيصه اتفاقاً بالماء المتبحر الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر ، أو بحديث القلتين كما ذهب إليه الشافعي ، وبالعمومات الدالة على طهورية الماء ما لم تتغير أحد أوصافه الثلاثة كما ذهب إليه مالك رحمه الله . وقال بعضهم : الفصل بالقلتين أقوى لصحة الحديث فيه ، وقد اعترف الطحاوي من الحنفية بذلك ، لكنه أعتذر عن القول به بأن القلة في العرف تطلق على الكبيرة والصغيرة ، كالجرة ولم يثبت في الحديث تقديرهما ، فيكون مجملاً فلا يعمل به ، وقواه ابن دقيق العيد . قلت : هذا القائل أدعى ثم أبطل دعواه بما ذكره فلا يحتاج إلى ود كلامه بشيء آخر . الخامس : فيه ذليل على تحريم الغسل والوضوء بالماء النجس . السادس : فيه التأديب بالتنزه ومختص ببول نسفه ، لغير البائل أن يتوضأ بما بال فيه غيره ، أيضاً للبائل إذا بال في إناء ثم صبه في الماء أو بال بقرب الماء ثم جرى إليه ، وهذا من أقبح ما نقل عنه . السابع : أن المذكور فيه الغسل من الجنابة ، فيلحق به الاغتسال من الحائض والنفساء ، وكذلك يحلق به اغتسال الجمعة ، والاغتسال من غسل الميت عند من يوجبها . قلت : هل يلحق به الغسل المسنون أم لا ؟ قلت : من اقتصر على اللفظ فلا إلحاق عنده كأهل الظاهر ، وأما من يعمل بالقياس فمن زعم أن العلة