العيني
162
عمدة القاري
وهو الحسين بن حديث ، كلاهما عن سفيان به ، وقال : حسن صحيح . وأخرجه النسائي في الذبائح عن قتيبة عن سفيان به وعن يعقوب ين إبراهيم ومحمد بن يحيى بن عبد لله النيسايوري ، كلاهما عن عبد الرحمن بن مهدي عن مالك به ، وعن خشيش بن أصرم عن عبد الرزاق عن عبد الرحمن بن بزدويه أن معمراً ذكر عن الزهري به . ذكر لغاته ومعناه قوله : ( فأرة ) بهمزة ساكنة وجمعها فأر بالهمز أيضاً قوله : ( سقطت في سمن ) وفي رواية البخاري أيضاً في الذبائح من رواية ابن عيينة عن ابن شهاب ( فماتت ) ، وزاد النسائي من رواية عبد الرحمن بن مهدي عن مالك ، ( في سمن جامد ) قوله : ( وألقوها ) أي . الفأرة أي : أرموها وما حولها أي : وما حول الفأرة من السمن ، ويعلم من هذه الرواية أن السمن كان جامداً كما صرح به في الرواية الأخرى ، لأن المائع لا حوله له إذ الكل حوله . بيان ذكر استنباط الحكم يستنبط منه أن السمن الجامد إذا وقعت فيه فأرة أو نحوها تطرح الفأرة ويؤخذ ما حولها من السمن ويرمى به ، ولكن إذا تحقق أن شيئاً منها لم يصل إلى شيء خارج عما حولها والباقي يؤكل ، ويقاس على هذا نحو العسل والدبس إذا كان جامداً ، وأما المائع فقد اختلفوا فيه ، فذهب الجمهور إلى أنه ينجس كله ، قليلاً كان أو كثيراً . وقد شذ قوم فجعلوا المائع كله كالماء ، ولا يعتبر ذلك ، وسلك دواد بن علي في ذلك مسلكهم إلاَّ في السمن الجامد والذائب . فإنه تبع ظاهر هذا الحديث ، وخالف معناه في العسل والخل وسائر المائعات ، فجعلها كلها في لحوق النجاسة إياها بما ظهر فيها ، فشذ أيضاً ويزمه أن لا يتعدى الفأرة كما لا يتعدى السمن . قال أبو عمرو : واختلف العلماء في الاستصباح به بعد إجماعهم على نجاسته ، فقالت طائفة من العلماء لا يستصبح به ولا ينتفع بشيء منه ، وممن قال ذلك ، الحسن بن صالح وأحمد بن حنبل محتجين بالرواية المذكورة ، وإن كان مائعاً فلا تقربوه ، وبعموم النهي عن الميتة في الكتاب العزيز . وقال الآخرون : يجوز الاستصباح به والانتفاع في كل شيء الأكل والبيع وهو قول مالك والشافعي وأصحابهما والثوري ، وأما الأكل فمجمع على تحريمه إلاَّ الشذوذ الذي ذكرناه ، وأما الاستصباح فروي عن علي وابن عمر أنهما أجازا ذلك ، ومن حجتهم في تحريم بيعه قوله صلى الله عليه وسلم : ( لعن الله اليهود . حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها أن الله إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه ) وقال آخرون : ينتفع به ويجوز بيعه ولا يؤكل ، وممن قال ذلك : أبو حنيفة وأصحابه والليث بن سعد ، وقد روي عن أبي موسى الأشعري والقاسم وسالم محتجين بالرواية الأخرى ، وإن كان مائعاً فاستصبحوا به وانتفعوا والبيع من باب الانتفاع وأما قوله في حديث عبد الرزاق وإن كان مائعاً فلا تقربوه ، فيحتمل أن يراد به الأكل ، وقد أجرى صلى الله عليه وسلم التحريم في شحوم الميتة من كل وجه ومنع الانتفاع بها ، وقد أباح في السمن يقع فيه الميتة ، الانتفاع به ، فدل على جواز وجوه الانتفاع بشيء منها غير الأكل ، ومن جهة النظر أن شحوم الميتة محرمة العين والذات ، وأما الزيت ، ونحوه يقع فيه الميتة فإنما ينجس بالمحاورة وما ينجس بالمحاورة فبيعه جائز ، كالثوب تصيبه النجاسة من الدم وغيره ، وأما قوله : إن الله تعالى ( إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه ) ، فإنما خرج على لحوم الميتة التي حرم أكلها ولم يبح الانتفاع بشيء منها ، وكذلك الخمر ، وأجاز عبد الله بن نافع غسل الزيت وشبهه تقع فيه الميتة ، وروي عن مالك أيضاً وصفته ، أن يعمد إلى ثلاث أواني أو أكثر فيجعل الزيت النجس في واحدة منها حتى يكون نصفها أو نحوه ، ثم يصب عليه الماء حتى يمتلئ ، ثم يؤخذ الزيت من علاء الماء ، ثم يجعل في آخر ويعمل به كذلك ، ثم في آخر ، وهو قول ليس لقائله سلف ، ولا تسكن إليه النفس قلت : هذا مما لا ينعصر بالعصر ، وفيه خلاف بين أبي يوسف ومحمد ، فقال أبو يوسف : يطهر ما لا ينعصر بالعصر بغسله ثلاثاً وتجفيفه في كل مرة ، وذلك كالحنطة والخزفة الجديدة والحصير والسكين المموه بالماء النجس واللحم المغلي بالماء النجس فالطريق فيه أن تغسل الحنطة ثلاثاً وتجفف في كل مرة ، وكذلك الحصير ، ويغسل الخزف حتى لا يبقى له بعد ذلك طعم ولا لون ولا رائحة ، ويموه السكين بالماء الطاهر ثلاث مرات ، ويطبخ اللحم ثلاث مرات ، ويجفف في كل مرة ويبرد من الطبخ ، وأما العسل واللبن ونحوهما إذا مات فيها الفأرة أو نحوها يجعل في الإناء ويصب فيه الماء ويطبخ حتى يعود إلى ما كان ، وهكذا يفعل ثلاثاً وقال محمد ما لا ينعصر بالعصر إذا تنجس لا يطهر أبداً ، وقد روي عن عطاء قوله : تفرد به روى عبد الرزاق عن ابن جريح عنه ، قال : ذكروا أنه يدهن به