العيني
160
عمدة القاري
الذي يتوضأ منه لا يجوز ، وإن كان أكثر رأيه أنها لم تصل إليه يجوز . وقد استقصينا الكلام فيه في ( شرحنا لمعاني الآثار ) للطحاوي ، رحمه الله تعالى . وقالَ حَمَّادٌ : لاَ بَأْسَ بِرِيشِ المَيْتَةِ حماد : على وزن فعال بالتشديد ، هو الإمام ابن أبي سليمان ، شيخ الإمام أبي حنيفة ، رضي الله تعالى عنه ، تقدم في باب قراءة القرآن بعد الحدث . قوله : ( لا بأس ) أي : لا حرج ( بريش الميتة ) يعني : ليس بنجس ، ولا ينجس الماء الذي وقع فيه ، سواء كان ريش المأكول لحمه أو غيره ؛ وهذا التعليق وصله عبد الرزاق في مصنفه : حدثنا معمر عن حماد بن أبي سليمان أنه قال : لا بأس بصوف الميتة ، ولكن يغسل ، ولا بأس بريش الميتة ، وهذا مذهب أبي حنيفة أيضاً وأصحابه . وقالَ الزُّهْرِيُّ في عظامِ المَوْتَى نَحْوِ الفِيلِ وغَيْرِهِ أَدْرَكْتُ ناساً مِنْ سَلَفِ العُلمَاءِ يَمْتَشِطونَ بها ويَدَّهِنونَ فِيها لا يَرَوْنَ بِهِ بَاساً الزهري هو محمد بن مسلم . قوله : ( وغيره ) أي : غير الفيل مما لا يؤكل . وقال الكرماني : قوله : ( غيره ) يحتمل أن يريد به ما هو من جنسه من الذي لا تؤثر الذكاة فيه ، أي : ما لا يؤكل لحمه ، وأن يريد أعم من ذلك . قلت : هذا الذي ذكره يمشي على مذهب الشافعي ، وعندنا جميع أجزاء الميتة التي لا دم فيها : كالقرن والسن والظلف والحافر والخف والوبر والصوف طاهر ، وفي العصب روايتان ، وذهب عمر بن عبد العزيز والحسن البصري ومالك وأحمد وإسحاق والمزني وابن المنذر : إلى أن الشعر والصوف والوبر والريش طاهرة لا تنجس بالموت ، كمذهبنا ، والعظم والقرن والظلف والسن نجسة . وقال الشافعي : الكل نجس إلاَّ الشعر ، فإن فيه خلافاً ضعيفاً . وفي العظم أضعف منه . وأما الفيل ففيه خلاف بين أصحابنا ، فعند محمد هو نجس العين حتى لا يجوز بيع عظمه ولا يطهر جلده بالدباغ ولا بالذكاة ، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف هو كسائر السباغ ، فيجوز الانتفاع بعظمه وجلده بالدباغ . قوله : ( أدركت ناسا ) التنوين فيه للتكثير أي ناساً كثيرين . قوله : ( يمتشطون بها ) أي : بعظام الموتى ، يعني يجعلون منها مشطاً ويستعملونه ، فهذا يدل على طهارته ، وهو مذهب أبي حنيفة أيضاً . قوله : ( ويدَّهنون فيها ) اي : في عظام الموتى ، يعني : يجعلون منها ما يحط فيه الدهن ونحوه ، وأصل : يدهنون : يتدهنون ، لأنه من باب الافتعال ، فقلبت التاء دالاً وأدغمت الدال في الدال ؛ وقال بعضهم : يجوز ضم أوله وإسكان الدال . قلت : فعلى هذا يكون من باب الادهان ، فلا يناسب ما قبله إلاَّ إذا جاءت فيه رواية بذلك ، وذلك لأن معناه بالتشديد هم يدهنون أنفسهم ، وإذا كان من باب الإفعال يكون المعنى : هم يدهنون غيرهم ، فلا منع من ذلك إلاَّ أنه موقوف على الرواية . ونقل بعض الشراح عن السفاقسي فيه ثلاثة أوجه : اثنان منها ما ذكرناهما الآن ، والوجه الثالث : هو بتشديد الدال وتشديد الهاء ، أيضاً . قلت : لا منع من ذلك من حيث قاعدة التصريف ، ولكن رعاية السماع أولى مع رعاية المناسبة بين المعطوف والمعطوف عليه . قوله : ( لا يرون به بأسا ) أي حرجاً ، فلو كان نجساً لما استعملوه امتشاطاً وادهاناً ، وعلم منه أنه إذا وقع منه شيء في الماء لا يفسده . وقال ابن بطال : ريش الميتة وعظم الفيلة ونحوها طاهر عند أبي حنيفة ، كأنه تعلق بحديث ابن عباس الموقوف : إنما حرم من الميتة ما يؤكل منها وهو اللحم ، فأما الجلد والسن والعظم والشعر والصوف فهو حلال . قال يحيى بن معين : تفرد به أبو بكر الهذلي عن الزهري ، وهو ليس بشيء . وقال البيهقي : وقد روى عبد الجبار بن مسلم وهو ضعيف عن الزهري شيئاً في معناه ، وحديث أم سلمة مرفوعا : ( لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ ، ولا بشعرها إذا غسل بالماء ) . إنما رواه يوسف بن أبي السفر ، وهو متروك . وقال ابن بطال : عظم الفيلة ونحوه نجس عند مالك والشافعي ، كلاهما احتجا بما روى الشافعي عن إبراهيم بن محمد عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أنه كان يكره أن يدهن في مدهن من عظام الفيل ، وفي ( المصنف ) : وكرهه عمر ابن عبد العزيز وعطاء وطاووس ، وقال ابن المواز : نهىَ مالك عن الانتفاع بعظم الميتة والفيل ، ولم يطلق تحريمها لأن عروة وابن شهاب وربيعة أجازوا الامتساط بها . وقال ابن حبيب : أجاز الليث وابن الماجشون وابن وهب ومطرف .