العيني

150

عمدة القاري

66 ( ( بابُ أَبْوَالِ الابِلِ والدَّوابِّ والغَنَمِ ومَرَابِضهَا ) ) أي : هذا باب في بيان حكم أبوال الإبل . . . إلى آخره ، إنما جمع الأبوال لأنه ليس المراد ذكر حكم بول الإبل فقط ، بل المراد بيان حكم بول الإبل وبول الدواب وبول الغنم ، ولكن ليس في البا إلاَّ ذكر بول الإبل فقط ، ولا واحد للإبل من لفظها ، وهي مؤنثة لأن أسماء الجموع التي واحد لها من لفظها ، إذا كانت لغير الآدميين ، فالتأنيث لها لازم . وقد تسكن الباء فيه للتخفيف ، والجمع آبال . والدواب : جمع دبة ، وهي في اللغة : اسم لما يدب على وجه الأرض ، فيتناول سائر الحيوانات . وفي العرف : اسم لذي الأربع خاصة . وقال الكرماني : المراد ههنا معناه العرفي ، وهو ذوات الحوافر ، يعني : الخيل والبغال والحمير . قلت : ليس معناه العرفي منحصراً في هذه ، بل يطلق على كل ذي أربع ، والبخاري لم يذكر في هذا الباب إلاَّ حديثين : أحدهما يفهم منه حكم بول الإبل . والآخر : يفهم منه جواز الصلاة في مرابض الغنم ، فعلى هذا ذكر لفظه الدواب لا فائدة فيه . وقال بعضهم : ويحتمل أن يكون من عطف العام على الخاص . قلت : هو كذلك ، فأي شيء ذكر الاحتمال فيه ، وفيه عطف الخاص على العام أيضاً ، وهو عطف الغنم على الدواب . قوله : ( ومرابضها ) بالجر عطف على قوله : ( والغنم ) وهو جمع : مربض ، بفتح الميم وكسر الباء الموحدة : من ربض بالمكان يربض ، من باب : ضرب يضرب ، إذا ألصق به ، وأقام ملازماً له ، والمربض : المكان الذي يربض فيه ، والمرابض للغنم كالمعاطن للإبل ، وربوض الغنم كبروك الجمل . وقال بعضهم : المربض ، بكسر الميم وفتح الموحدة ؛ قلت : هو غلط صريح ليس لقائله مس بالعلوم الأدبية ، والضمير في : مرابضها ، يرجع إلى الغنم . وقال بعضم : الضمير يعود على أقرب مذكور . قلت : هذا قريب مما قلنا . فان قلت : ما وجه مناسبة هذا الباب بما قبله ؟ قلت : يجوز أن يكون من حيث إن كلاًّ منهما يشتمل على شيء ، وهو نجس في نفسه ، على قول من يقول بنجاسة المني ونجاسة بول الإبل ، وعلى قول من يقول بطهارتهما يكون وجه المناسبة بينهما في كونهما على السواء في الطهارة . وصلَّى أبُو مُوسَي رضي الله عنه فِي دَارِ البرهيده والسِّرْقِيْنُ والبَرِّيةُ إلى جنْبه فقال هَهُنا وثَمَّ سَوَاءٌ هذا الأثر وصله أبو نعيم ، شيخ البخاري في كتاب ( الصلاة ) له ، قال : حدثنا الأعمش عن مالك بن الحارث هو السلمي الكوفي ، عن أبيه ، قال : صلى بنا أبو موسى في دار البريد ، وهناك سرقين الدواب والبرية على الباب ، فقالوا : لو صليت على الباب . . . فذكره . وهذا تفسير لما ذكره البخاري معلقاً . وأخرجه ابن أبي شيبة أيضاً في ( مصنفه ) فقال : ثنا وكيع الأعمش عن مالك بن الحارث عن أبيه قال ، كنا مع أبي موسى في دار البريد ، فحضرت الصلاة فصلى بنا على روث وتبن . فقلنا : لا نصلي ههنا والبرية إلى جنبك . فقال : البرية وههنا سواء . وقال ابن حزم : روينا من طريق شعبة وسفيان ، كلاهما عن الأعمش عن مالك بن الحارث عن أبيه قال : صلى بنا أبو موسى على مكان فيه سرقين ، وهذا لفظ سفيان ، وقال شعبة : روث الدواب . قال : ورويناه من طريق غيرهما : والصحراء أمامه . وقال : ههنا وهناك سواء ، وأبو موسى الأشعري اسمه : عبد الله بن قيس ، تقدم في باب : أي : الإسلام أفضل . قوله : ( في دار البريد ) وهي دار ينزلها من يأتي برسالة السلطان ، والمراد من : دار البريد ، ههنا موضع بالكوفة كانت الرسل تنزل فيه إذا حضروا من الخلفاء إلى الأمراء ، وكان أبو موسى ، رضي الله تعالى عنه ، أميراً على الكوفة في زمن عمر ، وفي زمن عثمان ، رضي الله عنهما ، وكان الدار في طرف البلد ، ولهذا كانت البرية إلى جنبها ، و : البريد ، بفتح الباء الموحدة : المرتب ، والرسول ، واثنا عشر ميلاً ، قاله الجوهري . قوله : ( والسرقين ) ، بكسر السين المهملة وسكون الراء هو : الزبل ، وحكى فيه ابن سيده فتح أوله ، وهو فارسي معرب ، ويقال له ، السرجين ، بالجيم ، وهو في الأصل حرف بين القاف والجيم يقرب من الكاف . قوله : ( والبرية ) بتشديد الياء آخر الحروف : الصحراء . قال صاحب ( المحكم ) : هي منسوبة إلى البر ، والجمع : البراري . قوله : ( جنبه ) الجنب والجانب والجنبة : الناحية . ويقال : قعدت إلى جنب فلان ، وإلى جانب فلان بمعنى . قوله : ( وثم ) بفتح الثاء المثلثة وتشديد الميم ، وهو اسم يشار به إلى المكان البعيد ، نحو : * ( وأزلفنا ثم الآخرين ) * ( الشعراء : 64 ) وهو ظرف لا يتصرف ، فلذلك غلط من أعربه مفعولاً : لرأيت في قوله : تعالى * ( وإذا رأيت ثم رأيت ) * ( الإنسان : 20 ) قوله : ( سواء ) ، يعني في صحة الصلاة ، ثم اعلم أن قوله : ( والسرقين ) يجوز أن يكون معطوفاً على : الدار ، وعلى : البريد ، قال الكرماني : ويروى بالرفع ، ولم يذكر وجهه . قلت : وجه أن يكون مبتدأ . وقوله : والبرية ، بالرفع عطف عليه ،