العيني

140

عمدة القاري

بيان معانية قوله : ( جاءت امرأة ) وقع رواية الشافعي ، رحمه الله تعالى ، عنه عن سفيان بن عيينة عن هشام في هذا الحديث : أن أسماء هي السائلة ، وأنكر النووي هذا ، وضعف هذه الرواية ، ولا وجه لإنكاره ، لأنه لا يبعد أن يبهم الراوي اسم نفسه ، وقد وقع مثل هذا في حديث أبي سعيد ، رضي الله عنه ، في قصة الرقية بفاتحة الكتاب . قوله : ( أرأيت ) أي : أخبرني ، قاله الزمخشري ، وفيه تجوز لإطلاق الرؤية ، وإرادة الإخبار ، لأن الرؤية سبب الإخبار ، وجعل الاستفهام بمعنى الأمر بجامع الطلب . قوله : ( تحيض في الثوب ) أي : يصل دم الحيض إلى الثوب ، هكذا فسره الكرماني . قلت : المعنى : تحيض حال كونها في الثوب ، ومن ضرورة ذلك وصول الدم إلى الثوب . وللبخاري ، من طريق مالك عن هشام : إذا أصاب ثوبها الدم من الحيض ، وفي رواية أبي داود عن أسماء : ( سمعت امرأة تسأل النبي ، عليه الصلاة والسلام : كيف تصنع إحدانا بثوبها إذا رأت الطهر أتصلى فيه ؟ قال : تنظر ، فإن رأت فيه دماً فلتقرصه بشيء من ماء ، ولتنضح ما لم تر ولتصل فيه ) . وعند مسلم : ( المرأة تصيب ثوبها من دم الحيضة ) ، وعند الترمذي : ( إقرصيه بماء ثم رشيه ) . وعند ابن خزيمة : ( كيف تصنع بثيابها التي كانت تلبس ؟ فقال إن رأت فيها شيئاً فلتحكه ثم لتقرصه بشيء من ماء ، وتنضح في سائر الثوب بماء ، ولتصل فيه ) . وفي لفظ : ( إن رأيت فيه دماً فحكيه ) . وفي لفظ : ( رشيه وصلي فيه ) . وفي لفظ : ( ثم تنضحه وتصلي فيه ) . وعند أبي نعيم : ( لتحته ثم لتقرصه ثم لتنضحه ثم لتصل فيه ) . وفي حديث مجاهد عن عائشة البخاري : ( ما كان لإحدانا إلاَّ ثوب واحد تحيض فيه ، فإذا أصابه شيء من دم قالت بريقها ، فمعنعته بظفرها ) . أي : عركته . واختلف في سماع مجاهد عن عائشة ، فأنكره ابن حبان ويحيى بن معين ويحيى بن سعيد وشعبة وآخرون ، وأثبته البخاري وعلي بن المديني ومسلم وآخرون ، وعند البخاري من حديث القاسم عنها : ( ثم تقرص الدم من ثوبها عند طهرها فتغسله وتنضح على سائره ثم تصلي فيه ) . وفي حديث أم قيس بنت محصن ، عند ابن خزيمة ، وابن حبان : ( إغسليه بالماء والسدر وحكيه ولو بضلع ) ، زاد ابن حبان قوله صلى الله عليه وسلم : ( اغسليه بالماء ) ، أمر فرض ، وذكر السدر والحك بالضلع أمر ندب وإرشاد . وقال ابن القطان : هو حديث في غاية الصحة ، وعاب على أبي أحمد قوله : الأحاديث الصحاح ليس فيها ذكر الضلع والسدر ، وعند أبي أحمد العسكري : ( حكيه بضلع واتبعيه بماء وسدر ) . وعند أحمد من حديث أبي هريرة ، رضي الله تعالى عنه : ( إن خولة بنت يسار قالت : يا رسول الله ليس لي إلاَّ ثوب واحد ، وأنا أحيض فيه ، قال : فإذا طهرت فاغسلي موضع حيضك ثم صلي فيه ، قالت : يا رسول الله أرى لم يخرج اثره ، قال : يكفيك الماء ولا يضرك أثره ) . ولما ذكره ابن أبي خيثمة في ( تاريخه الكبير ) جعله من مسند خولة ، وكذلك الطبراني ، وفي ( سنن أبي داود ) عن امرأة من غفار : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى ثيابها من الدم ، قال : أصلحي من نفسك ، ثم خذي إناء من ماء واطرحي فيه ملحاً ، ثم اغسلي ما أصاب حقيبة الرجل من الدم ، ثم عودي لمركبك ) . وعند الدارمي ، بسند فيه ضعف عن أم سلمة ، رضي الله عنها : ( إن إحداهن تسبقها القطرة من الدم . فقال صلى الله عليه وسلم : إذا أصاب إحداكن بذلك فلتقصعه بريقها . وعند ابن خزيمة : وقيل لها : كيف كنتن تصنعن بثيابكن إذا طمثن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : إن كنا لنطمث في ثيابنا أو في دروعنا ، فما نغسل منه إلاَّ أثر ما أصابه الدم . قوله : ( تحته ) الضمير المنصوب فيه ، وفي قوله : ( ثم تقرصه ) يرجع إلى الثوب . وفي قوله : و ( تنضحه ) يرجع إلى الماء ، وقد ذكرنا عن قريب أن الخاطبي قال : تنضحه أي : تغسله . وقال القرطبي : المراد به الرش ، لأن غسل الدم استفيد من قوله : ( تقرصه بالماء ) ، وأما النضح فهو لما شك فيه من الثوب . وقال بعضهم : فعلى هذا الضمير في قوله : ( تنضحه ) يعود على الثوب ، بخلاف : تحته ، فإنه يعود على الدم ، فيلزم منه إختلاف الضمائر ، وهو على خلاف الأصل . قلت : لا نسلم ذلك ، لأن لفظ : الدم ، غير مذكور صريحاً ، والأصل في عود الضمير أن يكون إلى شيء صريح ، والمذكور هنا صريحاً : الثوب والماء ، فالضميران الأولان يرجعان إلى الثوب لأنه المذكور قبلهما ، والضمير الثالث يرجع إلى : الماء ، لأنه المذكور قبله ، وهذا هو الأصل . ثم قال هذا القائل أيضاً : ثم إن الرش على المشكوك فيه لا يفيد شيئاً ، لأنه إن كان طاهراً فلا حاجة إليه ، وإن كان متنجساً لم يتطهر بذلك ، فالأحسن ما قاله الخاطبي . قلت : الذي قاله القرطبي هو الأحسن لأنه يلزم التكرار من قول الخاطبي بلا فائدة ، لأنا ذكرنا أن الحت هو الفرك ، والقرص هو الدلك بأطراف الأصابع مع صب الماء عليه حتى يذهب أثره ، لما نقلناه عن القاضي عياض ،