العيني

138

عمدة القاري

موسى الأشعري في باب : أي : الإسلام أفضل ، واسمه عبد الله بن قيس ، وأبو وائل شقيق . بيان لطائف اسناده فيه : التحديث بصيغة الجمع في موضعي ، وفيه : العنعنة في موضعين ، ورواته ما بين شامي ومصري وكوفي . وتعدد موضعه ومن أخرجه غيره : تقدم في باب البول قائما . بيان لغته وإعرابه قوله : ( يشدد ) ، جملة في محل النصب على أنه خبر : كان ، ومعناه : كان يحتاط عظيماً في الاحتراز عن رشاشاته ، حتى كان يبول في القارورة خوفاً أن يصيبه من رشاشاته شيء . وأخرج ابن المنذر من طريق عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه أنه سمع أبا موسى ، ورأى رجلاً يبول قائماً ، قال : ويحك أفلا قاعداً ، ثم ذكر قصة بني إسرائيل ، وبنو إسرائيل بنو يعقوب ، عليه الصلاة والسلام ، وإسرائيل لقبه . قوله : ( كان إذا أصاب ثوب أحدهم ) الضمير في : كان ، ضمير الشأن ، والجملة الشرطية خبره ، وبهذا لا يرد سؤال الكرماني بقوله : فان قلت : بنو ، جمع فلم أفرد ضمير : كان ، الراجع إليه ؟ وبنو إسرائيل أصله بنون لإسرائيل ، فلما أضيف إلى إسرائيل سقطت نون الجمع . فان قلت : ما وجه تلقيب يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ، عليهم السلام ، بإسرائيل ؟ قلت : كان يعقوب وعيصو أخوين ، كانا في بطن أمهما معاً . فلما جاء وقت وضعهما اقتتلا في بطنها لأجل الخروج أولاً ، فقال عيصو : والله لئن خرجت قبلي الاعترض في بطن أمي لأقتلها ، فتأخر يعقوب وخرج عيصو قبله ، فسمى : عيصو ، لأنه عصى ، وسمى : يعقوب ، لأنه خرج آخذاً بعقب عيصو . وكان يعقوب أكبرهما في البطن ، وكان أحبهما إلى أمه ، وكان : عيصو ، أحبهما إلى أبيه ، وكان صاحب صيد ، فلما كبر أبوهما إسحاق وعمي قال لعيصو : يا بني أطعمني لحم صيد أدعُ لك بدعاء كان أبي دعا لي به ، وكان أشعر ، وكان يعقوب أجرد ، فخرج عيصو إلى الصيد ، وقالت أمه ليعقوب : خذ شاة واشوها والبس جلدها ، وقدمها إلى أبيك ، وقل له : أنا ابنك عيصو ، ففعل ، فمسه إسحاق فقال : المسّ مسّ عيصو ، والريح ريح يعقوب ، فقالت أمه : ابنك عيصو فادع له ، فأكل منها ودعا له بأن الله يجعل في ذريته الأنبياء والملوك ، ثم جاء عيصو بالصيد فقال إسحاق : يا بني قد سبقك أخوك ، فغضب وقال : والله لأقتلنه . فقال إسحاق : يا بني قد بقيت دعوة ، فدعا له : بأن تكون ذريته عدد التراب ولا يملكهم أحد . وقالت أم يعقوب : إلحق بخالك فكن عنده ، خشية أن يقتله عيصو ، فانطلق يعقوب إلى خاله لابان ، وكان ببابل ، وقيل : بحرَّان ، فكان يسير بالليل ويكمن بالنهار ، فلذلك سمي إسرائيل ، فأخذ من : السرى والليل ، قاله السدي . وقال غيره : معناه عبد الله ، لأن : ايل ، اسم من أسماء الله تعالى بالسريانية ، كما يقال : جبرائيل وميكائيل . قوله : ( إذا أصاب ) اي : البول ( و : ثوب أحدهم ) ، بالنصب مفعوله ، ووقع في رواية مسلم : ( إذا أصاب جلد أحدهم ) . وقال القرطبي : مراده بالجلد : واحد الجلود التي كانوا يلبسونها ، وحمله بعضهم على ظاهره ، وزعم أنه من الإصر الذي حملوه ، ويؤيده رواية أبي داود ، حيث قال : حدثنا مسدد ، قال : حدثنا عبد الواحد بن زياد ، قال : حدثنا الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الرحمن بن حسنة ، قال : انطلقت أنا وعمرو بن العاصي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فخرج ومعه دورقة ثم استتر بها ثم بال ، فقلنا : انظروا إليه يبول كما تبول المرأة ، فسمع ذلك ، فقال : ألم تعلموا ما لقي صاحب بني إسرائيل ؟ كانوا إذا أصابهم البول قطعوا ما أصابه البول منهم ، فنهاهم ، فعذب في قبره . قال منصور عن أبي وائل عن أبي موسى : جلد أحدهم ، وقال عاصم عن أبي وائل عن أبي موسى : جسد أحدهم . قوله : ( انظروا اليه يبول كما تبول المرأة ) ، وهذا القول منهما من غير قصد ، أو وقع بطريق التعجب ، أو بطريق الاستفسار عن هذا الفعل ، فلذلك قال ، عليه الصلاة والسلام بقوله : ( ألم تعلموا . . . ) الخ ، ولِمَ يقولون هذا القول بطريق الاستهزاء والاستخفاف ، لأن الصحابة براء من هذا الكلام : وأراد بصاحب بني إسرائيل : موسى ، عليه الصلاة والسلام . فان قلت : كيف يترتب قوله : ( فعذب ) على قوله : ( فنهاهم ) ؟ قلت : فيه حذف تقديره : فنهاهم عن إصابة البول ولم ينتهوا ، فعذب الله تعالى . و : الفاء ، في : فعذب ، فاء السببية نحو قوله تعالى : * ( فوكزه موسى فقضى عليه ) * ( القصص : 15 ) قوله : ( قرضه ) بالقاف أي : قطعه ، وفي رواية الأصيلي : ( قرضه بالمقراض ) ، وهذه الرواية ترد قول من يقول : المراد بالقرض : الغسل بالماء . قوله : ( ليته أمسك ) ، قول حذيفة أي : ليت أبا موسى أمسك نفسه عن هذا التشديد ، أو لسانه عن هذا القول ، أو كليهما عن كليهما ، ومقصوده : أن هذا التشديد خلاف السنة ، فإن النبي ، عليه الصلاة والسلام ، بال قائماً ، ولا شك في كون القائم معرضاً للرشاش ، ولم يلتفت ، عليه الصلاة والسلام ، إلى هذا الاحتمال ، ولم يتكلف البول في القارورة ؛ وقال ابن بطال : وهو حجة لمن رخص في يسير البول ، لأن المعهود ممن بال قائماً أن