العيني

131

عمدة القاري

عندي ابنته وانا استحي أن اسأله . قال المقداد : فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، فقال : إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح فرجه وليتوضأ وضوءه للصلاة ) ، ثم الذي يدل على أنه أريد بالنضح ههنا الغسل ، ما رواه مسلم وغيره عن علي ، رضي الله تعالى عنه ، قال : ( كنت رجلاً مذاءً فاستحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته ، فامرت المقداد بن الأسود فسأله ، فقال : يغسل ذكره ويتوضأ ) . والقصة واحدة ، والراوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واحد ، ومما يدل على أن النضح يذكر ويراد به الغسل ما رواه الترمذي وغيره عن سهل بن حنيف قال : ( كنت ألقى من المذي شدة ، وكنت أكثر منه الغسل ، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إنما يجزيك من ذلك الوضوء . قلت : يا رسول الله فكيف بما يصيب ثوبي منه ؟ فقال : يكفيك أن تأخذ كفاً من ماء فتنضح به من ثوبك حيث يرى أنه أصابه ) . وأنه أراد بالنضح ههنا الغسل . واما الثاني : وهو أن الرش يذكر ويراد به الغسل ، فقد صح عن ابن عباس ، رضي الله تعالى عنهما ، أنه لما حكى وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ غرفة من ماء فرش على رجله اليمنى حتى غسلها ، وأراد بالرش ههنا صب الماء قليلاً قليلاً ، وهو الغسل بعينه . ومما يدل على أن النضح والرش يذكران ويراد بهما الغسل قوله ، عليه الصلاة والسلام ، وفي حديث أسماء ، رضي الله تعالى عنها : ( تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه ) . معناه : تغسله ، هذا في رواية الصحيحين ، وفي رواية الترمذي : ( حتيه ثم اقرضيه ثم رشيه وصلي فيه ) . أراد : اغسليه ، قاله البغوي ، فلما ثبت أن النضح والرش يذكران ويراد بهما الغسل ، وجب حمل ما جاء في هذا الباب من النضح والرش على الغسل بمعنى إسالة الماء عليه من غير عرك ، لأنه متى صب الماء عليه قليلاً قليلاً حتى تقاطر وسال حصل الغسل ، لأن الغسل هو الإسالة . فافهم . فإن قلت : قد صرح في رواية مسلم وغيره : ( فاتبعه بوله ولم يغسله ) ، فكيف يحمل النضح والرش على الغسل ؟ قلت : معناه ولم يغسله بالعرك كما يغسل الثياب إذا أصابتها النجاسة ، ونحن نقول به . قال النووي : وأما حقيقة النضح ههنا فقد اختلف أصحابنا فيها ، فذهب الشيخ أبو محمد الجويني والقاضي حسين والبغوي إلى أن معناه أن الشيء الذي أصابه البول يغمر بالماء كسائر النجاسات ، بحيث لو عصر لانعصر ، وذهب إمام الحرمين والمحققون إلى أن النضح أن يغمر ويكاثر بالماء مكاثرة لا يبلغ جريان الماء وتقاطره ، بخلاف المكاثرة في غيره ، فإنه يشترط فيها أن يكون بحيث يجري بعض الماء ويتقاطر من المحل ، وإن لم يشترط عصره ، وهذا هو الصحيح المختار ، ثم إن النضح إنما يجزئ ما دام الصبي يقتصر به على الرضاع ، أما إذا أكل الطعام على جهة التغذية فإنه يجب الغسل بلا خلاف ، وسنقول معنى النضح مما قاله أهل اللغة في الحديث الآتي ، ولا فرق بين النضح والغسل فيما قاله البغوي والجويني . وقال ابن دقيق العيد : اتبعوا في ذلك القياس ، أراد أن الحنفية اتبعوا في هذه المسألة القياس ، يعني : تركوا الأحاديث الصحيحة وذهبوا إلى القياس ، وقالوا : المراد من قولهما ، أي : من قول أم قيس ، ولم يغسله ، أي : غسلاً مبالغاً فيه ، وهو خلاف الظاهر . ويبعده ما ورد في الأحاديث الأخر التي فيها التفرقة بينهما أوجه : منها : ما هو ركيك ، وأقوى ذلك ما قيل إن النفوس أعلق بالذكور منها بالإناث ، يعني : فحصت الرخصة في الذكور لكثرة المشقة . قلت : نقل عن بعضهم للغمز على الحنفية ، ولكن هذا لا يشفي غلتهم ، فقوله : اتبعوا في ذلك القياس ، غير صحيح ، لأنهم ما اتبعوا في ذلك إلاَّ الأحاديث التي احتج خصمهم بها ، ولكن على غير الوجه الذي ذكروا ، وقد ذكرناه الآن محرراً ، على أنه قد روي عن بعض المتقدمين من التابعين ما يدل على أن الأبوال كلها سواء في النجاسة ، وأنه لا فرق بين بول الذكر والأنثى ، فمنها ما رواه الطحاوي ، وقال : حدثنا محمد بن خزيمة ، قال : حدثنا حجاج ، قال : حدثنا حماد عن قتادة عن سعيد بن المسيب أنه قال : الرش بالرش والصب بالصب من الأبوال كلها . حدثنا محمد بن خزيمة ، قال : حدثنا حجاج ، قال : حدثنا حماد عن حميد عن الحسن أنه قال : بول الجارية يغسل غسلاً وبول الغلام يتبع بالماء ، أفلا يرى أن سعيداً قد سوى بين حكم الأبوال كلها ، من الصبيان وغيرهم ، فجعل ما كان منه رشاً يطهر بالرش ، وما كان منه صباً يطهر بالصب ، ليس لأن بعضها عنده طاهر وبعضها غير طاهر ، ولكنها كلها عنده نجسة ، وفرق بين التطهير من نجاستها عنده بضيق مخرجها وسعته إنتهى كلام الطحاوي ومعنى قوله : وفرق . . . إلى آخره ، أن مخرج البول من الصبي ضيق فيرش البول ، ومن الجارية واسع فيصب البول صباً ، فيقابل الرش بالرش والصب بالصب . ومنها : أن فيه الندب إلى حسن المعاشرة واللين والتواضع والرفق بالصغار وغيرهم . ومنها استحباب حمل الأطفال إلى أهل الفضل للتبرك بهم ، وسواء في هذا الاستحباب المولود حال ولادته أو بعدها .