العيني

126

عمدة القاري

الحكم بالطهارة على الجفاف ، بل يكفي أن يفاض الماء كالثوب المعصر فلا يشترط فيه الجفاف والتصوب كالعصر ، وفيه وجه : أن يكون الماء المصبوب سبعة أضعاف البول ، ووجه آخر : يجب أن يصب على بول الواحد ذنوب ، وعلى بول الاثنين ذنوبان ، وعلى هذا أبداً . انتهى . وقال أصحابنا : إذا أصابت الأرض نجاسة رطبة . فإن كانت الأرض رخوة صب عليها الماء حتى يتسفل فيها ، وإذا لم يبق على وجهها شيء من النجاسة ، وتسفل الماء ، يحكم بطهارتها ، ولا يعتبر فيه العدد ، وإنما هو على اجتهاده . وما هو في غالب ظنه أنها طهرت ، ويقوم التسفل في الأرض مقام العصر فيما لا يحتمل العصر ، وعلى قياس ظاهر الرواية يصب عليه الماء ثلاث مرات ، ويتسفل في كل مرة ، وإن كانت الأرض صلبة ، فإن كانت صعوداً يحفر في أسفلها حفيرة ويصب الماء عليها ثلاث مرات ، ويتسفل إلى الحفيرة ، ثم تكبس الحفيرة . وإن كانت مستوية بحيث لا يزول عنها الماء لا يغسل لعدم الفائدة في الغسل ، بل تحفر ، وعن أبي حنيفة : لا تطهر الأرض حتى تحفر إلى الموضع الذي وصلت إليه النداوة وينقل التراب ، ودليلنا على الحفر الحديثان اللذآن أخرجهما الدارقطني : أحدهما : عن عبد الله ، والآخر : عن أنس . وقد ذكرناهما عن قريب . وقد ذكرنا أيضاً ما قاله الخطابي ، وذكرنا جوابه أيضاً . وروى عبد الرزاق في ( مصنفه ) عن ابن عيينة عن عمرو ابن دينار عن طاوس قال : ( بال أعرابي في المسجد ، فأرادوا أن يضربوه فقال النبي ، صلى الله عليه وسلم : أحفروا مكانه واطرحوا عليه دلواً من ماء ، علِّموا ويسِّروا ولا تعسِّروا ) . والقياس أيضاً يقتضي هذا الحكم ، لأن الغسالة نجسة فلا يطهر الأرض ما لم تحفر وينقل التراب . فإن قلت : قد تركتم الحديث الصحيح ، واستدللتم بالحديث الضعيف وبالمرسل . قلت : قد عملنا بالصحيح فيما إذا كانت الأرض صلبة ، وعملنا بالضعيف على زعمكم لا على زعمنا فيما إذا كانت الأرض رخوة ، والعمل بالكل أولى من العمل بالبغض وإهمال البعض . وأما المرسل فهو معمول به عندنا ، والذي يترك العمل بالمرسلات يترك العمل بأكثر الأحاديث وفي اصطلاح المحدثين ان مرسلين صحيحين إذا عارضا حديثا صحيحا مسندا كان العمل بالمرسلين أولى ، فكيف مع عدم المعارضة ؟ الثاني : استدل به بعض الشافعية على أن الماء متعين في إزالة النجاسة ، ومنعوا غيره من المائعات المزيلة ، وهذا استدلال فاسد ، لأن ذكر الماء هنا لا يدل على نفي غيره ، لأن الواجب هو الإزالة ، والماء مزيل بطبعه ، فيقاس عليه كل ما كان مزيلاً لوجود الجامع ، على أن هذا الاستدلال يشبه مفهوم مخالفة وهو ليس بحجة . الثالث : استدلت به جماعة من الشافعية وغيرهم أن غسالة النجاسة الواقعة على الأرض طاهرة ، وذلك لأن الماء المصبوب لا بد أن يتدافع عند وقوعه على الأرض ويصل إلى محل لم يصبه البول مما يجاوره ، فلولا أن الغسالة طاهرة لكان الصب ناشراً للنجاسة ، وذلك خلاف مقصود التطهير ، وسواء كانت النجاسة على الأرض أو غيرها ، لكن الحنابلة فرقوا بين الأرض وغيرها ، ويقال : إنه رواية واحدة عند الشافعية . إن كانت على الأرض ، وإن كانت غيرها فوجهان . قلت : روي عن أبي حنيفة أنها بعد صب الماء عليها لا تطهر حتى تدلك وتنشف بصوف أو خرقة ، وفعل ذلك ثلاث مرات ، وإن لم يفعل ذلك لكن صب عليها ماء كثيراً حتى عرف أنه أزال النجاسة ، ولم يوجد فيه لون ولا ريح ، ثم ترك حتى نشفت كانت طاهرة . الرابع : استدل به بعض الشافعية أن العصر في الثوب المغسول من النجاسة لا يجب ، وهذا استدلال فاسد وقياس بالفارق ، لأن الثوب ينعصر بالعصر بخلاف الأرض . الخامس : استدل به البعض أن الأرض إذا اصابتها نجاسة فجفت بالشمس أو بالهواء لا تطهر ، وهي محكي عن أبي قلابة أيضاً ، وهذا أيضاً فاسد ، لأن ذكر الماء في الحديث لوجوب المبادرة إلى تطهير المسجد وتركه إلى الجفاف تأخير لهذا الواجب ، وإذا تردد الحال بين الأمرين لا يكون دليلاً على أحدهما بعينه . السادس : فيه دليل على وجوب صيانة المساجد وتنزيهها عن الأقذار والنجاسات ، أَلاَ ترى إلى تمام الحديث في رواية مسلم : ( ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه ) أي : الأعرابي ، ( فقال له : إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ، ولا القذر ، وإنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن ) ؟ السابع : فيه دليل على أن المساجد لا يجوز فيها إلاَّ ذكر الله والصلاة وقراءة القرآن بقوله : ( وإنما هي لذكر الله ) ، من قصر الموصوف على الصفة ، ولفظ الذكر عام يتناول قراءة القرآن وقراءة العلم ، ووعظ الناس والصلاة أيضاً عام ، فيتناول المكتوبة والنافلة ، ولكن النافلة في المنزل أفضل ، ثم غير هذه الأشياء : ككلام الدنيا والضحك واللبث فيه بغير نية الاعتكاف مشتغلاً بأمر من أمور الدنيا ينبغي أن لا يباح ، وهو قول بعض الشافعية ، والصحيح أن الجلوس فيه لعبادة أو قراءة علم أو درس أو سماع موعظة أو انتظار صلاة أو نحو ذلك مستحب ، ويثاب على ذلك ، وإن لم يكن