العيني

103

عمدة القاري

الحدث ، وتقييده بوقت اللبس أمر زائد لا يفهم من العبارة . فإذا تقرر هذا على هذا لم يكن الحديث حجة على صاحب ( الهداية ) ، بل هو حجة له ، حيث اشترط الطهارة لأجل جواز المسح ، وحجة عليه حيث يأخذ منه ما ليس يدل على مدعاه . وقال الطحاوي : معنى قوله صلى الله عليه وسلم : أدخلتهما طاهرتين ، يجوز أن يقال : غسلتهما ، وإن لم يكمل الطهارة صلى ركعتين قبل أن يتم صلاته ، ويحتمل أن يريد : طاهرتان من جنابة أو خبث . ولو قلت : دخلنا البلد ونحن ركبان ، يشترط أن يكون كل واحد راكباً عند دخوله ، ولا يشترط افترانهم في الدخول ، فتكون كل واحدة من رجليه عند إدخالها الخف طاهرة إذا لم يدخلهما الخفين معاً ، وهما طاهرتان ، لأن إدخالهما معاً غير متصور عادة ، وإن أراد إدخال كل واحدة الخف وهي طاهرة بعد الأخرى فقد وجد المدعي ، ومع هذا فإن هذه المسألة مبنية على أن الترتيب شرط عند الشافعي وليس بشرط عندنا ، وقال : هذا القائل أيضا : ولابن خزيمة ، من حديث صفوان بن عسال : ( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهر ثلاثاً إذا سافرنا ، ويوما وليلة إذا أقمنا ) . قال ابن خزيمة : ذكرته للمزني فقال لي : حدث به أصحابنا ، فإنه أقوى حجة للشافعي . قلت : فإن كان مراده من قوله : فإنه من أقوى حجة ، كون مدة المسح للمسافر ثلاثة أيام وللمقيم يوماً وليلة ، فمسلم . ونحن نقول به ، وإن كان مراده اشتراط الطهارة وقت اللبس فلا نسلم ذلك ، لأنه لا يفهم ذلك من نص الحديث على ما ذكرناه الآن . وقال أيضاً : وحديث صفوان ، وإن كان صحيحاً ، لكنه ليس على شرط البخاري ، لكن حديث الباب موافق له في الدلالة على اشتراط الطهارة عند اللبس . قلت : بعد أن صح حديث صفوان عند جماعة من المحدثين لا يلزم أن يكون على شرط البخاري . وقوله : موافق له في الدلالة . إلى آخره ، غير مسلم في كون الطهارة عند اللبس . نعم ، موافق له في مطلق اشتراط الطهارة لا غير ، فإن ادعى هذا القائل أنه يدل على كونها عند اللبس ، فعليه البيان بأي نوع من أنواع الدلالة . الثالث : من الأحكام ، فيه : خدمة العالم ، وللخادم أن يقصد إلى ما يعرف من خدمته دون أن يأمر بها . الرابع : فيه إمكان الفهم عن الإشارة ورد الجواب بالعلم على ما يفهم من الإشارة ، لأن المغيرة أهوى لينزع الخفين ، ففهم عنه صلى الله عليه وسلم ما أراد ، فأجاب بأنه يجزيه المسح . الخامس : فيه : أن من لبس خفيه على غير طهارة انه لا يمسح عليهما بلا خلاف . 50 ( ( بابُ مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ مِنْ لَحْمِ الشَّاةِ والسَّوِيقِ ) ) أي : هذا باب في حكم من لم يتوضأ من أكل لحم الشاة ، قيد بلحم الشاة ليندرج ما هو مثلها وما هو دونها في حكمها . قوله : ( والسويق ) بالسين والصاد ، لغة فيه لمكان المضارعة ، والجمع : أسوقة . وسمي بذلك لانسياقه في الخلق ، والقطعة من السويق سويقة ، وعن أبي حنيفة : الجذيذة السويق ، لأن الحنطة جذت له . يقال : جذذت الحنطة للسويق . وقال أبو حاتم : إذا أرادوا أن يعملوا الفريصة ، وهي ضرب من السويق ، ضربوا من الزرع ما يريدون حين يستفرك ، ثم يسهمونه ، وتسهيمه أن يسخن على المقلى حتى ييبس ، وإن شاؤوا جعلوا معه على المقلى الفودنج ، وهو أطيب الأطعمة . وعاب رجل السويق بحضرة أعرابي فقال : لا تعبه ، فإنه عدة المسافر ، وطعام العجلان ، وغذاء المبتكر ، وبلغة المريض ، وهو يسر فؤاد الحزين ، ويرد من نفس المحرور ، وجيد في التسمين ، ومنعوت في الطب ، وفقارة لحلق البلغم ، وملتوته يصفي الدم ؛ وإن شئت كان شراباً ، وإن شئت كان طعاماً ، وإن شئت ثريداً وإن شئت خبيصاً . وثريت السويق : صببت عليه ماء ثم لتيته ، وفي ( مجمع الغرائب ) : ثرى يثري ثرية : إذا بل التراب ، وإنما بل السويق لما كان لحقه من اليبس والقدم ، وهو شيء يتخذ من الشعير أو القمح ، يدق فيكون شبه الدقيق إذا احتيج إلى أكله خلط بماء ، أو لبن أو رب أو نحوه . وقال قوم : الكعك . قال السفاقسي : قال بعضهم : كان ملتوتاً بسمن . وقال الداودي : هو دقيق الشعير والسلت المقلو ، ويرد قول من قال : إن السويق هو الكعك قول الشاعر : * يا حبذا الكعك بلحم مثرود * وخشكنان مع سويق مقنود . * وقال ابن التين ليس في حديثي الباب ذكر السويق ، وقال بعضهم : أجيب بأنه دخل من باب أولى ، لأنه إذا لم يتوضأ من اللحم مع دسومته ، فعدمه من السويق أولى ، ولعله أشار بذلك إلى الحديث في الباب الذي بعد . قلت : وإن سلمنا ما قاله ،