العيني

42

عمدة القاري

هاذَا الأمْرِ : إنَّ الله كانَ خَصَّ رسولَهُ في هاذَا المالِ بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ أحَداً غَيْرَهُ ، فإنَّ الله يَقُولُ : * ( وَمَآ أَفَآءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ وَلَاكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ) * الآيةَ فَكانَتْ هذِهِ خالِصَةً لِرَسُولِ الله ثُمَّ والله ما احْتازَها دُوَنكُمْ ، ولا اسْتأْثَرَ بِها عَلَيْكُمْ ، وقَدْ أعْطاكُمُوها وبَثَّهافِيكُمْ ، حتَّى بَقَيَ مِنْها هَذَا المالُ ، وكانَ النبيُّ يُنْفِقُ عَلى أهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِنْ هَذَا المالِ ، ثُمَّ يأخذُ ما بَقِيَ فَيَجْعَلَهُ مَجْعلَ مالِ الله ، فَعَمَلَ النبيُّ بِذَلِكَ حَياتَهُ أنْشُدُكُمْ بالله هَلْ تَعْلَمُونَ ذالِكَ ؟ فقالُوا : نَعَمْ ، ثُمَّ قال لِعَلِيَ وعبَّاسٍ : أنْشُدُكما الله هَلْ تَعْلَمانِ ذالِكَ ؟ قالا : نَعَمْ ، ثُمَّ تَوَفَّى الله نَبِيَّهُ فقال أبُو بَكْرٍ : أنا وَلِيُّ رسولِ الله فَقَبَضَها أبُو بَكْرٍ فَعَمِلَ فِيها بِما عَمِلَ فيها رسولُ الله وأنْتُما حِينَئذٍ ، وأقْبَلَ عَلى عَلِيَ وعَبَّاسٍ فقال : تَزْعُمانِ أنَّ أبا بَكْرٍ فِيها كَذَا ؟ والله يَعْلَمُ أنَّهُ فِيها صادِقٌ بارٌّ راشِدٌ تابِعٌ لِلْحَقِّ ؟ ثُمَّ تُوَفَّى الله أبا بَكْرٍ فَقُلْتُ : أنا وَلِيُّ رسولِ الله وأبي بَكْرٍ ، فَقَبَضَتُها سَنَتْينِ أعْمَلُ فِيها بِما عَمِلَ بِهِ رَسُولُ الله وأبُو بَكْرٍ ، ثُمَّ جِئْتُمانِي وكَلِمَتُكُما عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ وأمْرُكُما جَمِيعٌ ، جِئْتَنِي تَسْألُنِي نَصِيبَكَ مِنِ ابنِ أخِيكَ ، وأتانِي هَذا يَسْألُنِي نَصِيبَ امْرَأتِهِ مِنْ أبِيهَا ، فَقُلْتُ : إنْ شِئْتُما دَفَعْتُها إلَيْكُما عَلى أنَّ عَلَيْكُما عَهْدَ الله ومِيثاقَهُ ، تَعْمَلانِ فِيها بِما عَمِلَ بِهِ رسولُ الله وبِما عَمِلَ فِيها أبُو بَكْرٍ وبِما عَمِلْتُ فِيها مُنْذُ وَلِيتُها ، وإلاّ فلا تُكَلِّمانِي فِيها فقُلْتُما : ادْفَعْها إلَيْنا بِذالِكَ ، فَدَفَعْتُها إلَيْكُما بِذالِكَ ، أنْشُدُكُمْ بِالله هَلْ دَفَعْتُها إلَيْهِما بِذالِكَ ؟ قال الرَّهْطُ : نَعَمْ . فأقْبَلَ عَلى عَلِيَ وعَبَّاسٍ فقال : أنْشُدُكُما بِالله هَلْ دَفَعْتُها إلَيْكُما ؟ بِذالِكَ ؟ قالا : نَعَمْ . قال : أفَتَلْتَمِسانِ مِنِّي قَضاءً غيْرَ ذالِكَ ؟ فَوالّذِي بِإذْنِهِ تَقُومُ السَّماءُ والأرْضُ لا أقْضي فِيها قَضاءً غَيْرَ ذالِكَ حتَّى تَقُوم السَّاعَةُ ، فإنْ عَجَزْتُما عَنْها فادْفَعاها إلَيَّ فأنا أكْفِيكُماها . ا مطابقته للجزء الأول للترجمة لأن منازعة علي وعباس قد طالت واشتدت عند عمر ، وفيه نوع من التعمق . ألا ترى إلى قول عثمان ومن معه : يا أمير المؤمنين اقض بينهما . وأرح أحدهما من الآخر . ومالك بن أوس النضري بفتح النون وسكون الضاد المعجمة نسبة إلى النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر ، وفي همدان أيضاً النضر بن ربيعة ، قال ابن دريد : النضر الذهب . والحديث مضى في باب فرض الخمس بطوله ، ومضى الكلام فيه مبسوطاً . قوله ( يرفأ بفتح الياء آخر الحروف وسكون الراء وبالفاء مهموزاً وغير مهموز اسم حاجب عمر ، رضي الله تعالى عنه ، ومولاه . قوله : الظالم إنما جاز للعباس مثل هذا القول لأن عليّاً كان كالولد له وللوالد ما ليس لغيره ، أو هي كلمة لا يراد بها حقيقتها إذ الظلم وضع الشيء في غير موضعه وهو متناول للصغيرة وللخصلة المباحة التي لا تليق به عرفاً ، وبالجملة حاشا لعلي أن يكون ظالماً ، ولا يصير ظالماً بالنسبة إليه ولا بد من التأويل . قال بعضهم : هاهنا مقدر أي : هذا الظالم إن لم ينصف ، أو : كالظالم . وقال المازري : هذا اللفظ لا يليق بالعباس وحاشا علي من ذلك ، فهو سهو من الرواة ، وإن كان لا بد من صحته فيؤول بأن العباس تكلم بما لا يعتقد ظاهره مبالغة في الزجر وردعاً لما يعتقد أنه مخطىء فيه ، ولهذا لم ينكره أحد من الصحابة لا الخليفة ولا غيره مع تشددهم في إنكار المنكر ، وما ذاك إلاَّ أنهم فهموا بقرينة الحال أنه لا يريد به الحقيقة . قوله : استبا أي : تخاشنا في الكلام ، تكلما بغليظ القول كالمستبين . قوله : اتئدوا