العيني
170
عمدة القاري
نَحْرِهِ إلى لَبَّتِهِ حتَّى فَرَغَ مِنْ صدْرِهِ وجَوْفِهِ ، فَغَسَلَهُ مِنْ ماءِ زَمْزَمَ بِيَدِهِ ، حتَّى أنْقاى جَوْفَهُ ، ثُمَّ أُتِيَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ تَوْرٌ مِنْ ذَهَبٍ مَحْشُوّاً إيماناً وحِكْمَةً ، فَحَشا بِهِ صَدْرَهُ ولَغادِيدَهُ يَعْني : عُرُوقَ حَلْقِهِ ثُمَّ أطْبقَهُ ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا ، فَضَرَبَ باباً مِنْ أبْوابِها فَنادَاهُ أهْلُ السَّماءِ : مَنْ هاذَا ؟ فقال : جِبْرِيلُ . قالُوا : ومَنْ مَعَكَ ؟ قال : مَعِي مُحَمَّدٌ . قال : وقَدْ بُعِثَ إلَيْهِ ؟ قال : نَعَمْ . قالُوا : فَمَرْحَباً بِهِ وأهْلاً ، فَيَسْتَبْشِرُ بِهِ أهْلُ السَّماءِ لا يَعْلَمُ أهْلُ السَّماءِ مَا يُرِيدُ الله بِهِ فِي الأرْضِ حتى يُعْلِمَهُمْ ، فَوَجَدَ في السَّماءِ الدُّنْيا آدَمَ ، فقال لهُ جِبْرِيلُ : هاذا أبُوكَ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ، ورَدَّ عَلَيْهِ آدَمُ وقال : مَرَحْباً وأهْلاً بِابْنِي نِعْمَ الابْنُ أنْتَ ، فإذا هُوَ في السَّماءِ الدُّنْيا بِنَهْرَيْنِ يَطِردانِ ، فقال : ما هاذانِ النَّهَرانِ يا جِبْرِيلُ ؟ قال : هاذانِ النَّيلُ والفُراتُ عُنْصُرُهُما ، ثُمَّ مَضاى بِهِ في السَّماءِ فإذا هُوَ بِنَهَرٍ آخَرَ عَلَيْهِ قَصْرٌ مِنْ لُؤلُؤٍ وَزَبَرْجَدٍ ، فَضَرَبَ يَدَهُ فإذا هُوَ مِسْكٌ أذْفَرُ ، قال : ما هاذَا يا جِبْرِيلُ ؟ قال : هاذا الكَوْثَرُ الّذِي خَبَأ لَكَ رَبُّكَ ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إلى السَّماءِ الثَّانِيَةِ ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ لهُ مِثْلَ ما قالَت لهُ الأُولَى : مَنْ هاذا ؟ قال : جِبْرِيلُ . قالُوا : ومَنْ مَعَكَ ؟ قال : مُحَمَّدٌ قالُوا : وقَدْ بُعِثَ إلَيْهِ ؟ قال : نَعَمْ . قالُوا : مرْحباً بِهِ وأهْلاً ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إلى السَّماءِ الثَّالِثَةِ وقالُوا لهُ مِثْلَ ما قالَتِ الأُولَى والثانِيَةُ ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إلى الرَّابِعَةِ فقالُوا لهُ مِثْلَ ذالِكَ ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إلى السَّماءِ الخامِسَةِ فقالُوا لهُ مِثْلَ ذالِكَ ، ثمَّ عَرَجَ بِهِ إلى السَّادِسَةِ فقالُوا لهُ مِثْلَ ذالِكَ ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إلى السَّماءِ السَّابِعَةِ فقالُوا لهُ مِثْلَ ذالِكَ ، كُلُّ سَماءٍ فِيها أنْبِياءٌ قَدْ سَمَّاهُمْ ، فأوْعَيْتُ مِنْهُمْ : إدْرِيسَ في الثانِيَةِ ، وهارُونَ في الرَّابِعَةِ ، وآخَرَ في الخامِسَةِ لَمْ أحْفَظِ اسْمهُ ، وإبْرَاهِيمَ في السَّادِسَةِ ، ومُوساى في السَّابِعَةِ بِتَفْضِيلِ كَلامِ الله ، فقال مُوساى : رَبِّ لَمْ أُظُنَّ أنْ يَرْفَعَ عَلَيَّ أحَدٌ . ثُمَّ عَلاَ بِهِ فَوْق ذالِكَ بِما لا يَعْلَمُهُ إلاَّ الله حتَّى جاءَ سِدْرَةَ المُنْتَهاى ، ودَنا الجَبَّارُ رَبُّ العزةِ فَتَدَلّى حتَّى كانَ مِنْهُ قابَ قَوْسَينِ أوْ أدْنَى فأوْحاى الله فِيما أوْحاى إلَيْهِ : خَمْسِينَ صَلاةً عَلى أُمَّتِكَ كُلَّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ ، ثمَّ هَبَطَ حتَّى بَلَغَ مُوساى فاحْتَبَسَهُ مُوساى فقال : يا مُحَمَّدُ ماذا عَهِدَ إلَيْكَ ربُّكَ ؟ قال : عَهِدَ إلَيَّ خَمْسِينَ صَلاةً كُلَّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ ، قال : إنَّ أمَّتَكَ لا تَسْتَطِيعُ ذالِكَ ، فارْجِعْ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ رَبُّكَ وعَنْهُمْ ، فالْتَفَتَ النبيُّ إلى جِبْرِيلَ كأنَّهُ يَسْتَشِيرُهُ في ذالِكَ ، فأشارَ إلَيْهِ جِبْرِيلُ ؛ أنْ نَعَمْ ، إنْ شِئْتَ . فَعَلا بِهِ إلى الجَبَّارِ فقال وهْوَ مَكانَهُ : يا رَبِّ خَفِّفْ عَنَّا ، فإنَّ أُمَّتِي لا تَسْتَطِيعُ هاذا ، فَوَضَعَ عَنْهُ عَشْرَ صَلَواتٍ ، ثُمَّ رَجَعَ إلى مُوساى فاحْتَبَسَهُ ، فَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُه مُوساى إلى رَبِّهِ حتَّى صارَتْ إلى خَمْسِ صَلَوات ، ثُمَّ احْتَبَسَهُ مُوساى عِنْدَ الخَمْسِ فقال : يا مُحَمَّدُ والله لَقَدْ راوَدْتُ بَنِي إسْرائِيلَ قَوْمِي عَلى أدْنَى مِنْ هاذا فَضَعفُوا فَتَرَكُوهُ ، فأُمَّتَكَ أضْعَفُ أجْساداً وقُلُوباً وأبْداناً وأبْصاراً وأسْماعاً ، فارْجِعْ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ رَبُّكَ ، كلَّ ذالِكَ يَلْتَفِتُ النبيُّ إلى جِبْرِيلَ لِيُشِيرَ عَلَيْهِ ولا يَكْرَهُ ذالِكَ جِبْرِيلُ ، فَرَفَعَهُ عِنْدَ الخامِسَةَ فقال : يا رَبّ