العيني

144

عمدة القاري

قوله : هًهٌ هٍ أي : مقدار ذلك لأن اليوم يعرف بطلوع الشمس ، وغروبها ، ولم يكن يومئذٍ شمس ولا قمر ، والحكمة في خلقها في ستة أيام مع قدرته على خلقها في لحظة واحدة لوجوه : الأول : أنه أراد أن يوقع في كل يوم أمراً تستعظمه الملائكة ومن يشاهده ، وهذا عند من يقول : خلق الملائكة قبل السماوات والأرض . والثاني : ليعلم عباده التثبت في الأمور فالتثبت أبلغ في الحكمة والتعجيل أبلغ في القدرة . الثالث : أن الإمهال في خلق شيء بعد شيء أبعد من أن يظن أن ذلك وقع بالطبع أو بالاتفاق . الرابع : ليعلمنا بذلك الحساب . لأن أصل الحساب من ستة ، ومنه يتفرع سائر الأعداد . قوله : * ( ثم استوى على العرش ) * قد ذكرنا معنى الاستواء عن قريب ، وخص العرش بذلك لأنه أعظم المخلوقات ، والعرش في اللغة : السرير ، قاله الخليل . قوله : * ( يغشى الليل والنهار ) * الإغشاء إلباس الشيء الشيء . وقال الزجاج : المعنى أن الليل يأتي على النهار فيغطيه ، وإنما لم يقل : ويغشى النهار الليل ، لأن في الكلام دليلاً ، عليه كقوله : * ( وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظِلَالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ) * قال في موضع آخر : * ( خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ الَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى الَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِى لاَِجَلٍ مُّسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ) * قوله : * ( يطلبه حثيثاً ) * أي : يطلب الليل النهار محثوثاً أي : بالسرعة . قوله : * ( مسخرات ) * أي : مذللات لما يراد منهن من طلوع وأفول وسير على حسب الإرادة . قوله : * ( ألا له الخلق والأمر ) * والغرض من إيراد الآية هنا هو أن يعلم أن الأمر غير الخلق لأن بينهما حرف العطف ، وعن ابن عيينة : فرق بين الخلق والأمر فمن جمع بينهما فقد كفر أي : من جعل الأمر من جملة ما خلقه فقد كفر ، وفيه خلاف المعتزلة ، ومعنى هذا الباب إثبات الكلام لله تعالى صفة لذاته ولم يزل متكلماً ولا يزال كمعنى الباب الذي قبله ، وإن كان وصف الله كلامه بأنه كلمات فإنه شيء واحد لا يتجزىء ولا ينقسم ، وكذلك يعبر عنه بعبارات مختلفة تارة عربية وتارة سريانية وبجميع الألسنة التي أنزلها الله على أنبيائه وجعلها عبارة عن كلامه القديم الذي لا يشبه كلام المخلوقين ، ولو كانت كلماته مخلوقة لنفدت كما ينفد البحار والأشجار وجميع المحدثات ، فكما لا يحاط بوصفه تعالى كذلك لا يحاط بكلماته وجميع صفاته . 7463 حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ ، أخبرنا مالِكٌ ، عنْ أبي الزِّناددِ عنِ الأعْرَجِ ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال : تَكَفَّلَ الله لِمَنْ جاهَدَ في سَبِيلِهِ لا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ ، إلاَّ الجِهادُ في سَبِيلِهِ وتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ أنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ أوْ يَرُدَّهُ إلى مَسْكَنِهِ بِما نالَ مِنْ أجْرٍ أوْ غَنِيمَةٍ ا مطابقته للترجمة في قوله : وتصديق كلمته وفي رواية عن أبي ذر ، كلماته ، بصيغة الجمع . والحديث مر عن قريب بشرحه ، وأخرجه هناك عن إسماعيل عن مالك . 31 ( ( بابٌ في المَشِيئَةِ والإرَادَةِ * ( وما تشاؤون إلا أن يشاء الله ) * ) ) أي : هذا باب في ذكر المشيئة والإرادة ، قال الراغب : المشيئة عند الأكثر كالإرادة سواء ، وقال الكرماني : وللإرادة تعريفات مثل : اعتقاد النفع في الفعل أو تركه ، والأصح أنها صفة مخصصة لأحد طرفي المقدر بالوقوع ، والمشيئة ترادفها ، وقيل : هي الإرادة المتعلقة بأحد الطرفين ، وفي التوضيح معنى الباب إثبات المشيئة والإرادة لله تعالى ، وأن مشيئته وإرادته ورحمته وغضبه وسخطه وكراهته كل ذلك بمعنى واحد أسماء مترادفة ، وهي راجعة كلها إلى معنى الإرادة ، كما يسمي الشيء الواحد بأسماء كثيرة ، وإرادته تعالى صفة من صفات ذاته خلافاً لمن يقول من المعتزلة : إنها مخلوقة من أوصاف أفعاله . وقَوْلِهِ تعالى : * ( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِى الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ) * * ( إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّى لاَِقْرَبَ مِنْ هَاذَا رَشَدًا ) * * ( إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَاكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) *