العيني
7
عمدة القاري
يَقُلْ قَبْلَهُ ، فَجَلَسَ عُمَرُ عَلى المِنْبَرِ ، فَلمَّا سَكَتَ المُؤَذِّنُونَ قامَ فأثْنى عَلى الله بِما هُوَ أهْلُهُ ثمَّ قال : أمَّا بَعْدُ ، فإنِّي قائِلٌ لَكُمْ مَقالَةً قَدْ قُدِّرَ لِي أنْ أقُولَها ، لا أدْرِي لَعَلَّها بَيْنَ يَدَيْ أجَلِي ، فَمَنْ عَقَلَها وَوعاها فَلْيُحَدِّثْ بِها حَيْثُ انْتَهَتْ بِهِ راحِلَتُهُ ، ومَنْ خَشِيَ أنْ لا يَعْقِلَها فَلا أُحِلُّ لأِحَدٍ أنْ يَكْذِبَ عَلَيَّ : إنَّ الله بعَثَ مُحَمَّداً بالحَقِّ وأنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتابَ فَكانَ مِمَّا أنْزَلَ الله آيَةُ الرَّجْمِ ، فَقَرَأْناها وعَقَلْناها وَوَعَيْناها ، فَلِذَا رَجَمَ رسولُ الله وَرَجَمْنا بَعْدَهُ ، فأخْشَى إنْ طالَ بالنَّاسِ زَمانٌ أنْ يَقُولَ قائِلٌ : والله ما نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ في كِتابِ الله فَيَضِلُّوا بِتَرْك فَرِيضَةٍ أنْزَلَهَا الله ، والرَّجْمُ في كِتابِ الله حَقٌّ عَلى مَنْ زَنَى ، إذا أُحْصِنَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ ، إذا قامَتِ البَيِّنَةُ أوْ كان الحَبَلُ أو الاعِتْرِافُ ، ثُمَّ إنَّا كُنَّا نَقْرَأُ فِيما نَقْرَأُ مِنْ كِتابِ الله : أنْ لا تَرْغَبُوا عنْ آبائِكُمْ فإنَّهُ كُفْرٌ بِكُمْ أنْ تَرْغَبُوا عنْ آبائِكُمْ ، أوْ إنَّ كُفْراً بِكُمْ أنْ تَرْغَبُوا عنْ آبائِكُمْ ، ألا ثُمَّ إنَّ رسولَ الله قال : لا تُطْرُونِي كما أُطْرِيَ عِيسى ابنُ مَرْيَمَ وقُولُوا عَبْدُ الله ورسُولُهُ ثُمَّ إنّهُ بَلَغَنِي أنَّ قائِلاً مِنْكُمْ يَقُولُ : والله لوْ ماتَ عُمَرُ بايَعْتُ فُلاناً ، فَلا يَغْتَرَّنَ امْرُؤٌ أنْ يَقُولَ : إنّما كانَتْ بَيْعَةُ أبي بَكْرٍ فَلْتَةً ، وتَمَّتْ ، ألاَّ وإنَّها قَدْ كانَتْ كَذالِكَ ، ولاكِنَّ الله وَقاى شَرَّها ولَيْسَ مِنْكُمْ مَنْ تُقْطَعُ الأعْناقُ إلَيْهِ مِثْلُ أبي بَكْرٍ ، مَنْ بايَعَ رَجُلاً مِنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فَلا يُبايَعُ هُوَ ، ولا الّذِي بايَعَهُ تَغِرَّةً أنْ يُقْتَلاَ ، وإنهُ قَدْ كانَ منْ خَيْرِنا حِينَ تُوَفَّي الله نَبيَّهُ ألا إنَّ الأنْصارَ ، خالَفُونا واجْتَمَعُوا بِأسْرِهِمْ في سَقِيفَةَ بَنِي ساعِدَةَ ، وخالَفَ عَنَّا عَلِيٌّ والزُّبَيْرُ ومَنْ مَعَهُما ، واجْتَمَعَ المُهاجِرُون إلى أبي بَكْرٍ فَقُلْتُ لأبي بَكْرٍ : يا أبا بَكْر انْطَلِقْ بِنا إلى إخْوانِنا هاؤلاءِ مِنَ الأنْصارِ ، فانْطَلَقْنا نُريدهُمْ فَلَمَّا دَنَوْنا مِنْهُمْ لَقِينا مِنْهُمْ رَجُلانِ صالِحانِ فَذَكَرا ما تَمالاى عَلَيْهِ القَوْمُ فَقالا : أيْنَ تُرِيدُونَ يا مَعْشَرَ المُهاجِرِينَ ؟ فَقُلْنا : نُرِيدُ إخْوانَنا هاؤلاءِ مِنَ الأنْصارِ ، فقالا : لا عَلَيْكُمْ أنْ لا تَقْرَبُوهُمُ ، اقْضُوا أمْرَكُمْ . فَقُلْتُ : والله لَنَأْتِيَنَّهُمْ ، فانْطَلَقْنا حتَّى أتيْناهُمْ في سَقِيفَةِ بَنِي ساعِدَةَ ، فإذا رَجُلٌ مُزَمَّلٌ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ ، فَقُلْتُ : مَنْ هاذا ؟ فَقالُوا : هاذا سَعْدُ بنُ عُبادَةَ . فَقُلْتُ : ما لهُ ؟ قالُوا : يُوعَكُ ، فَلمَّا جَلَسْنا قَلِيلاً تَشَهَّدَ خَطِيبُهُمْ فأثْناى عَلى الله بِما هُوَ أهْلُهُ ، ثُمَّ قال : أما بَعْدُ فَنَحْنُ أنْصارُ الله وكَتِيبَةُ الإسْلامِ ، وأنْتُمْ مَعْشَرَ المُهاجِرِينَ رَهطٌ ، وقَدْ دَفَّتْ دافَّةٌ مِنْ قَوْمِكُمْ ، فإذا هُمْ يُرِيدُونَ أنْ يَخْتَزِلونا مِنْ أصْلِنا ، وأنْ يَحْضُنُونا مِنَ الأمْرِ ، فَلَمَّا سَكَتَ أرَدْتُ أنْ أتَكَلَّمَ وكُنْتُ زَوَّرْتُ مَقالَةً أعْجَبَتَنِي أُريدُ أنْ أُقَدِّمَها بَيْنَ يَدَيْ أبي بَكْرٍ ، وكُنْتُ أُدارِي مِنْهُ بَعْضَ الحَدِّ ، فَلَمَّا أرَدْتُ أنْ أتَكَلَّمَ قال أبُو بَكْرٍ : عَلى رِسْلِكِ . . . فكَرِهْتُ أن أغْضِبَهُ ، فَتَكَلَّمَ أبُو بَكْرٍ فَكانَ هُوَ أحْلَمَ مِنِّي وأوْقَرَ ، والله ما تَرَكَ مِنْ كَلِمَةٍ أعْجَبَتْنِي في تَزْوِيرِيِ إلاَّ قال في بَديهَتِهِ مِثْلَها ، أوْ أفْضَلَ مِنْها حتَّى سَكَتَ ، فقال : ما ذَكَرْتُمْ فِيكُمْ مِنْ خَيْرٍ