العيني

239

عمدة القاري

وكَرِهَ الحَسَنُ وأبُو قِلاَبَةَ أنْ يَشْهَدَ عَلى وَصِيَّةٍ حتى يَعْلَمَ ما فِيها لأنَّه لا يَدْرِي لَعَلَّ فِيها جَوْراً . الحسن هو البصري ، وأبو قلابة بكسر القاف وتخفيف اللام هو عبد الله بن زيد الجرمي بفتح الجيم وسكون الراء . قوله : أن يشهد بفتح الياء وفاعله محذوف تقدير : أن يشهد أحد على وصية . . . إلى آخره . قوله : جوراً بفتح الجيم وهو في الأصل : الظلم ، والمراد به هنا غير الحق ، وقال الداودي : هذا هو الصواب الذي لا شك فيه أنه لا يشهد على وصية حتى يعلم ما فيها ، وتعقبه ابن التين فقال : لا أدري لم صوبه وهي إن كان فيها جور يوجب الحكم أن لا يمضي لا يمض وإن كان يوجب الحكم إمضاءه يمض ، ومذهب مالك : جواز الشهادة على الوصية وإن لم يعلم الشاهد ما فيها . وقَدْ كَتَبَ النبيُّ إلى أهْلِ خَيْبَرَ : إمَّا أنْ يَدُوا صاحِبَكُمْ وإمَّا أنْ تُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ . هذا قطعة من حديث سهل بن أبي حثمة في قصة حويصة ومحيصة وقتل عبد الله بن سهل بخيبر ، وسيأتي هذا بعد عدة أبواب في : باب كتاب الحاكم إلى عماله . قوله : إما أن يدوا أي : إما أن يعطوا الدية ، وهو من ودى يدي إذا أعطى الدية ، وأصل : يدوا ، يوديوا ، فحذفت الواو التي هي فاء الفعل في المفرد لوقوعها بين الياء والكسرة ، ثم حذفت في التثنية والجمع تبعاً للمفرد ، ثم نقلت ضمة الياء إلى الدال فالتقى ساكنان وهما الياء والواو فحذفت الياء ولم يحذف الواو لأنه علامة الجمع ، فصار : يدوا ، على وزن : يعلوا . وقال الزُّهْرِيُّ في شَهادَةٍ عَلى المَرْأةِ مِنْ وراءِ السِّتْرِ : إنْ عَرَفْتَها فاشْهَدْ ، وإلا فَلاَ تَشْهَدْ . أي : قال محمد بن مسلم بن شهاب الزهري في حكم الشهادة على المرأة : إن عرفها الشاهد يشهد لها وعليها ، وإن لم يعرفها فلا يشهد . قوله : في شهادة ويروى : في الشهادة ، بالألف واللام . قوله : من وراء الستر إما بالتنقب وإما بغير ذلك ، وحاصله أنه إذا عرفها بأي طريق كان يجوز الشهادة عليها ، ولا يشترط أن يراها حال الإشهاد . وأثر الزهري هذا وصله ابن أبي شيبة من طريق جعفر بن يرقان عنه ، ومذهب مالك : جواز شهادة الأعمى في الإقرار وفي كل ما طريقه الصوت سواء عنده تحملها أعمى أو بصيراً ثم عمي ، وقال أبو حنيفة والشافعي : لا تقبل إذا تحملها أعمى ، ودليل مالك أن الصحابة والتابعين رووا عن أمهات المؤمنين من وراء حجاب وميزوا أشخاصهن بالصوت ، وكذا آذان ابن أم مكتوم ، ولم يفرقوا بين ندائه ونداء بلال إلاَّ بالصوت ، ولأن الإقدام على الفروج أعلى من الشهادة بالحقوق ، والأعمى له وطء زوجته وهو لا يعرفها إلا بالصوت ، وهذا لم يمنع منه أحد . 7162 حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ ، حدّثنا غُنْدَرٌ ، حدّثنا شُعْبَةُ قال : سَمِعْتُ قَتَادَة عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ قال : لَمَّا أرادَ النبيُّ أنْ يَكْتُبَ إلى الرُّومِ قالُوا : إنَّهُمْ لا يَقْرَأونَ كِتاباً إلاّ مَخْتُوماً ، فاتَّخَذَ النبيُّ خاتَماً مِنْ فِضَّةٍ كأنِّي أنْظُرُ إلى وَبِيصِهِ ، ونَقَّشُهُ : مُحَمَّدٌ رسولُ الله . مطابقته للترجمة من حيث إنها مشتملة على أحكام . منها الشهادة على الخط المختوم ، وهذا الحديث فيه الخط والختم . وقال الطحاوي : حديث أنس ، رضي الله تعالى عنه ، يستفاد منه أن الكتاب إذا لم يكن مختوماً فالحجة بما فيه قائمة لكونه أراد أن يكتب إليهم . قالوا : إنهم لا يقرؤون كتاباً إلا مختوماً فلذلك اتخذ خاتماً من فضة . والحديث تقدم بيانه شرح حديث أبي سفيان مطولاً في بدء الوحي . وأخرجه هنا عن محمد بن بشار الذي يقال له بندار عن غندر بضم الغين المعجمة وسكون النون وهو لقب محمد بن جعفر . قوله : وبيصه بفتح الواو وكسر الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وبالصاد المهملة أي : بريقه ولمعانه .