العيني

172

عمدة القاري

ثُمَّ يَرْجِعُ إلَيْهِ كُلَّما رَجَعَ إلَيْهِ فَغَرَ لهُ فاهُ ، فألْقَمَهُ حَجَراً . قال : قُلْتُ لَهُما : ما هاذان ؟ قال : قالا لي : انْطَلِقِ انْطَلِقْ قال : فانْطَلَقْنا فأتَيْنا عَلى رَجُلٍ كَرِيهِ المَرْآةِ كأكْرَهِ ما أنْتَ راءٍ رَجُلاً مَرْآةً ، وإذا عِنْدَهُ نارٌ يَحُشُّها ويَسْعاى حَوْلَها ، قال : قُلْتُ لَهُما : ما هاذا ؟ قال : قالا لي : انْطَلِقِ انْطَلِقِ فانْطَلَقْنا فأتَيْنا عَلى رَوْضَةٍ مُعْتَمِةٍ فِيها مِنْ كُلِّ نُوْرِ الرَّبِيعِ ، وإذا بَيْنَ ظَهْرَيِ الرَّوْضَةِ رَجُلٌ طَوِيلٌ لا أكادُ أراى رَأسَهُ طُولاً في السَّماءِ ، وإذا حَوْل الرَّجُلِ مِنْ أكْثَرِ وِلْدانٍ رَأيْتُهُمْ قَطُّ . قال : قُلْتُ لَهُما : ما هاذا ؟ ما هاؤلاءِ ؟ قال : قالا لِي : انْطَلِقِ انْطَلِقْ قال : فانْطَلَقْنا فانْتهَيْنا إلى رَوْضَةٍ عَظِيمةٍ لَمْ أرَ رَوْضَةً قَطُّ أعْظَمَ مِنْها ولا أحْسَنَ . قال : قالا لِي : ارْقَهْ فِيها . قال : فارْتَقَيْنا فِيها فانْتَهَيْنا إلى مَدِينَةٍ مَبْنِيةٍ بِلَبِنِ ذَهَبٍ ولَبِنِ فِضةٍ ، فأتيْنا بابَ المَدِينَةِ فاسْتَفْتَحْنا فَفُتِحَ لَنا ، فَدَخَلْناها فَتَلقانا فيها رِجالٌ شَطْرٌ مِنْ خَلْقِهِمْ كأحْسَنِ ما أنْتَ راءٍ ، وشَطْرٌ كأقْبَحِ ما أنْتَ راءٍ ، قال : قالا لَهُمُ : اذْهَبُوا فَقَعُوا في ذَلِكَ النَّهَرِ ، قال : وإذَا نَهَرٌ مُعْتَرِضٌ يَجْرِي كأنَّ ماءَهُ المَحْضُ في البَياضِ ، فَذَهَبُوا فَوَقَعُوا فِيهِ ثُمَّ رَجَعُوا إلَيْنا قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءِ عنْهُمْ ، فَصارُوا في أحْسَنِ صُورَةٍ ، قال : قالا لِي : هَذِهِ جَنَّةُ عَدْنَ ، هاذَاكَ مَنْزِلُكَ . قال : فَسَما بَصَرِي صُعُداً فإذا قَصْرٌ مِثْلُ الرَّبابَةِ البَيْضاءِ ، قال : قالا لِي : هاذَاكَ مَنْزِلُكِ ، قال : قُلْتُ لَهُما : بارِكَ الله فِيكُما ذراني فأدخُلهُ ، قالا : أمَّا الآنَ فَلاَ ، وأنْتَ داخِلُهُ . قال : قُلْتُ لَهُما : فإنِّي قَدْ رَأيْتُ مُنْذُ اللَّيْلَةِ عَجَباً ، فَما هاذا الّذِي رَأيْتُ ؟ قال : قالا لي : أما إنّا سَنُخْبِرُكَ : أمَّا الرَّجُلُ الأوَّلُ الّذِي أتيْتَ عَلَيْهِ يُثلَغْ رأسَهُ بالحَجَرِ فإنَّهُ الرَّجُلُ يأخُذُ القُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ ويَنامُ عنِ الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ ، وأمَّا الرَّجُلُ الّذِي أتَيْتَ عَلَيْهِ يُشَرْشَرُ شِدْقُهُ إلى قَفاهُ ومنْخِرُهُ إلى قَفَاهُ وعَيْنُهُ إلى قَفَاهُ فإنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِه فَيكْذِبُ الكَذْبَةَ تَبْلُغُ الآفاقَ ، وأمّا الرِّجالُ والنِّساءُ العُرَاةُ الّذِينَ في مِثْلِ بِناءِ التَّنُّورِ فإنّهُمُ الزُّناةُ والزَّواني ، وأمّا الرجُلُ الذِي أتَيْتَ عَلَيْهِ يَسْبَحُ في النَّهَرِ ويُلْقَمُ الحَجَرَ فإنّهُ آكِلُ الرِّبا ، وأمَّا الرَّجُلُ الكَريةُ المَرْأةِ الّذِي عِنْدَ النار ، يَحْشُّها ويَسعَى حَوْلَها ، فإنَّهُ مالِكٌ خازِنُ جَهنَّم ، وأمَّا الوِلْدَانُ الّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ ماتَ عَلى الفِطْرَةِ قال : فقال بَعْضُ المُسْلِمِينَ : يا رسولَ الله وأوْلادُ المُشْرِكِينَ ؟ فقال رسولُ الله وأوْلاَدُ المُشْرِكِينَ وأمَّا القَوْمُ الَّذِينَ كانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَناً وشَطْرٌ مِنْهُمْ قَبِيحاً فإنَّهُمْ قَوْمٌ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وآخَرَ سَيِّئاً تَجاوَزَ الله عَنْهُمْ مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : ذات غداة لأن الغداة ما قبل طلوع الشمس . قال الجوهري : الغدوة ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس ، ولفظ : ذات ، مقحم أو هو من إضافة المسمى إلى اسمه . ومؤمل على وزن محمد ابن هشام أبو هاشم ، كذا لأبي ذر عن بعض مشايخه ، وقال : الصواب أبو هشام ، وكذا هو عند غير أبي ذر ، وهو ممن وافق كنيته اسم أبيه وهو ختن إسماعيل بن إبراهيم المشهور بابن علية اسم أمه وهو الذي يروي عنه مؤمل المذكور ، وعوف هو المشهور بالأعرابي ،