العيني

90

عمدة القاري

سمعه الذي يسمع به ) لفظة : به ، في رواية الكشميهني لا غيره . قال الداودي : هذا كله من المجاز ، يعني أنه ، يحفظه كما يحفظ العبد جوارحه لئلا يقع في مهلكة . وقال الخطابي : هذه أمثال والمعنى : والله أعلم توفيقه في الأعمال التي باشرها بهذه الأعضاء وتيسير المحبة له فيها بأن يحفظ جوارحه عليه ويعصمه من موافقة ما يكره الله تعالى من الإصغاء إلى اللهو مثلاً ، ومن النظر إلى ما نهى عنه ، ومن البطش بما لا يحل له ، ومن السعي في الباطل برجله ، أو بأن يسرع في إجابة الدعاء ، والإلحاح في الطلب وذلك أن مساعي الإنسان إنما تكون بهذه الجوارح الأربع . قوله : ( وبصره الذي يبصر به ) وفي حديث عائشة في رواية عبد الواحد : عينه التي يبصر بها ، وفي رواية يعقوب بن مجاهد : عينيه اللتين يبصر بهما ، وكذا قال في الأذن واليد والرجل ، وزاد عبد الواحد في روايته : ( وفؤاده الذي يعقل به ، ولسانه الذي يتكلم به ) وقيل : المعنى : اجعل له مقاصده كأنه ينالها بسمعه وبصره . . . إلى آخره ، وقيل : كنت له في النصرة كسمعه وبصره ويده ورجله في المعاونة على عدوه ، وقيل فيه : مضاف محذوف ، والتقدير : كنت حافظ سمعه الذي يسمع به فلا يسمع إلاَّ ما يحل سماعه ، وحافظ بصره كذلك إلى آخره ، قيل : إن الاتحادية زعموا أنه على حقيقته وأن الحق عين العبد ، واحتجوا بمجيء جبريل عليه الصلاة والسلام ، في صورة دحية ، قالوا : فهو روحاني خلع صورته وظهر بمظهر البشر ، قالوا : فالله أقدر على أن يظهر في صورة الوجود الكلي أو ببعضه تعالى الله سبحانه عما يقول الظالمون علواً كبيراً . قوله : ( يبطش ) بكسر الطاء . قوله : ( وإن سألني ) أي : عبدي ، وكذا وقع في رواية عبد الواحد . قوله : ( لأعطينه ) اللام للتأكيد والهمزة مضمومة والفعل مؤكد بالنون الثقيلة . قوله : ( استعاذ بي ) بالباء الموحدة بعد الذال المعجمة ، وقيل : بالنون موضع الباء . قوله : ( لأعيذنه ) أي : مما يخاف ، فإن قيل : كثير من الصلحاء والعباد دعوا وبالغوا ولم يجابوا . قيل له : الإجابة تتنوع ، فتارة يقع المطلوب بعينه على الفور ، وتارة يقع ولكن يتأخر الحكم ، وتارة قد تقع الإجابة ولكن بغير المطلوب حيث لا يكون في المطلوب مصلحة ناجزة ، وفي الواقع مصلحة ناجزة ، أو أصلح منها . قوله : ( وما ترددت عن شيء التردد ) مثل لأنه محال على الله ، وقال الخطابي : التردد في حق الله غير جائز ، والبداء عليه في الأمور غير سائغ ، لكن له تأويلان : أحدهما : أن العبد قد يشرف على الهلاك في أيام عمره من داء يصيبه أو فاقة تنزل به ، فيدعو الله فيشفيه منها ويدفع عنه مكروهها . فيكون ذلك من فعله كترديد من يريد أمراً ثم يبدو له فيه فيتركه ويعرض عنه ، ولا بد من لقائه إذا بلغ الكتاب أجله ، لأن الله قد كتب الفناء على خلقه واستأثر بالبقاء لنفسه . والثاني : أن يكون معناه : ما رددت رسلي في شيء أنا فاعله ، كترديدي إياهم في نفس المؤمن كما روى في قصة موسى عليه السلام ، وما كان من لطمه عين ملك الموت ، وتردده إليه مرة بعد أخرى . قال : وحقيقة المعنى على الوجهين عطف الله على العبد ولطفه به وشفقته عليه . قوله : ( وإساءته ) ، ويروى : مساءته ، أي : حياته لأنه بالموت يبلغ إلى النعيم المقيم لا في الحياة ، أولأن حياته تؤدي إلى أرذل العمر . وتنكيس الخلق والرد إلى أسفل سافلين أو أكره مكروهه الذي هو الموت فلا أسرع بقبض روحه فأكون كالمتردد . [ / شر 93 ( ( بابُ قَوْلِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم : ( بُعِثْتُ أنا والسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ ) ) أي : هذا باب فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( بعثت ) . . . إلى آخره . قال الكرماني : الساعة بالرفع والنصب ، واختصر على هذا . قلت : وجه النصب أن الواو بمعنى : مع ، ومنهم من منع الرفع لفساد المعنى لأنه لا يقال : بعثت الساعة ، وجزم عياض بأن الرفع أحسن لأنه عطف على ضمير المجهول في : بعثت قوله : ( كهاتين ) أي : الإصبعين السبابة والوسطى . * ( وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن الله على كل شيء قدير ) * ( النحل : 77 ) تقديره : وقول الله عز وجل : * ( وما أمر الساعة ) * الآية بتمامها في رواية الأكثرين ، وفي رواية أبي ذر * ( وما أمر الساعة إلاّ كلمح البصر ) * . . . الآية ، وإنما قلنا : تقديره : وقول الله عز وجل ، لأنه يوهم أن تكون بقية الحديث ، على أن في بعض النسخ . وقول الله موجود . قوله : * ( وما أمر الساعة ) * أي : وما شأن القيامة إلاَّ كلمح البصر ، اللمح سرعة إبصار الشيء . أو هو أي أمر الساعة أقرب من لمح البصر .