العيني

85

عمدة القاري

زال نورها وخلفته ظلمة كالوكت ، وإذا زال شيء آخر منه صار كالمجل وهو أثر حكم لا يكاد يزول إلاَّ بعد مدة ، ثم شبه زوال ذلك النور بعد ثبوته في القلب وخروجه منه واعتقابه إياه بجمر تدحرجه على رجلك حتى يؤثر فيها ، ثم يزول الجمر ويبقى التنفط . قوله : ( يتبايعون ) أي : من البيع والشراء . قوله : ( فلا يكاد أحد ) كذا في رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره : فلا يكاد أحدهم . قوله : ( أتى علي ) بتشديد الياء قوله : ( وما أبالي أيكم بايعت ) وقال ابن التين : تأوله بعض الناس على بيعة الخلافة ، وهو خطأ ، فكيف يكون ذلك وهو يقول : لئن كان نصرانياً . . . إلى آخره ؟ والذي عليه الجمهور وهو الصحيح أنه أراد به البيع والشراء المعروفين ، يعني : كنت أعلم أن الأمانة في الناس : فكنت أقدم على معاملة من أثق غير باحث عن حاله وثوقاً بأمانته ، فإنه إن كان مسلماً فدينه يمنعه من الخيانة ويحمله على أداء الأمانة . وإن كان كافراً فساعيه ، وهو الوالي الذي يسعى له . أي الوالي عليه يقوم بالأمانة في ولايته فينصفني ويستخرج حقي منه ، وكل من ولى شيئاً على قوم فهو ساعيهم مثل سعاة الزكاة ، وأما اليوم فقد ذهبت الأمانة فلست أثق اليوم بأحد أأتمنه على بيع أو شراء إلاَّ فلاناً وفلاناً يعني أفراد من الناس قلائل أعرفهم وأثق بهم . قوله : ( رده علي الإسلام ) وفي رواية المستملي : بالإسلام . قوله : ( وإن كان نصرانياً ) ذكر النصراني على سبيل التمثيل ، وإلاَّ فاليهودي أيضاً ، كذلك صرح في ( صحيح مسلم ) بهما . 8946 حدّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنا شُعَيْبٌ عن الزُّهْرِيِّ قال : أخبرني سالِمُ بنُ عَبْدِ الله أنَّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ رضي الله عنهما ، قال : سمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : ( إنَّما النَّاسُ كالإبِلِ المِائَةُ لا تَكادُ تَجِدُ فِيها راحِلَةً ) . مطابقته للترجمة يمكن أن توجه من حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر في هذا الحديث بأن الناس كثيرون والمرضي فيهم قليل بمنزلة الراحلة في الإبل المائة ، وغير المرضي هم الذين ضيعوا الفرائض التي عليهم ، وقد ذكرنا أن ابن عباس فسر الأمانة بالفرائض ، فمن هذه الحيثية تحصل المطابقة بين الترجمة والحديث . وأبو اليمان الحكم بن نافع . والحديث بهذا الإسناد من أفراده ، وفي رواية مسلم من طريق معمر عن الزهري : تجدون الناس كإبل مائة لا يجد الرجل فيها راحلة . واختلفوا في معنى هذا الحديث فقيل : إنما يراد به القرون المذمومة في آخر الزمان ، ولذلك ذكره البخاري هنا ولم يرد به صلى الله عليه وسلم ، زمن أصحابه ، وتابعيهم لأنه قد شهد لهم بالفضل ، فقال : خير القرون . . . الحديث ، ونقل الكرماني هذا في ( شرحه ) بقوله : وقال بعضهم : المراد به القرون المذمومة . . . إلى آخر ما ذكرناه ، وقال بعضهم : نقل الكرماني هذا عن مغلطاي ظناً منه أنه كلامه لكونه لم يعزه . قلت : لم يقل الكرماني إلاَّ : قال بعضهم ، ولم يذكر لفظ مغلطاي أصلاً ، فلا يحتاج إلى ذكره بما فيه من سوء الأدب ونسبة الظن إليه وبعض الظن إثم ، وقيل : يحتمل أن يريد كل الناس فلا يكون مؤمن إلاَّ في مائة أو أكثر ، وقيل : إن الناس في أحكام الدين سواء لا فضل فيها لشريف على مشروف ولا لرفيع على وضيع ، كالإبل المائة التي لا تكون فيها راحلة ، وقيل : إن أكثر الناس أهل نقص وأهل الفضل عددهم قليل بمنزلة الراحلة في الإبل الحمولة . قال الله تعالى : * ( ولكن ثر الناس لا يعلمون ) * ( الأعراف : 781 وغيرها ) وقوله : * ( ولكن أكثرهم يجهلون ) * ( الأنعام : 111 ) وقال القرطبي : الذي يناسب التمثيل أن الرجل الجوادالذي يتحمل أثقال الناس والحمالات عنهم ويكشف كربهم عزيز الوجود كالراحلة في الإبل الكثيرة . قلت : الأنسب من كل الأقوال هو القول الذي ذكرناه أولاً ، وفيه أيضاً مطابقة الحديث للترجمة كما ذكرناه . قوله : ( كالإبل المائة ) وصف لفظ الإبل الذي هو مفرد بقوله : المائة ، لأن العرب يقول للمائة من الإبل ، ويقال لفلان إبل أي : مائة من الإبل وإبلان إذا كان له مائتان . قوله : ( راحلة ) هي النجيبة المختارة الكاملة الأوصاف الحسنة المنظر ، وقيل : الراحلة الجمل النجيب ، والهاء للمبالغة . 63 ( ( بابُ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ ) ) أي : هذا باب في بيان ذم الرياء ، بكسر الراء وتخفيف الياء آخر الحروف وبالمد هو إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها