العيني

79

عمدة القاري

الجزء الأول من الترجمة من لفظ حديث الباب ، وقال بعضهم : هذا لفظ حديث أخرجه مسلم بنحوه من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ : ( انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم ) . قلت : هذا أليس كلفظ حديث مسلم ، بل هو في المعنى مثله . وإسماعيل هو ابن أبي أويس ، وأبو الزناد عبد الله ، والأعرج عبد الرحمن ، وقد ذكرا عن قريب . والحديث من أفراده . قوله : ( من فضل ) على بناء المجهول . قوله : ( والخلق ) قال الكرماني : بفتح المعجمة الصورة أو الأولاد والاتباع ، وكل ما يتعلق بزينة الحياة الدنيا . قوله : ( فلينظر إلى من هو أسفل منه ) ليسهل عليه نقصانه ويفرح بما أنعم الله عليه ويشكر عليه ، وأما في الدين وما يتعلق بالآخرة فلينظر إلى من هو فوقه لتزيد رغبته في اكتساب الفضائل . 13 ( ( بابُ مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ أوْ بِسَيِّئَةٍ ) ) أي : هذا باب يذكر فيه من هم بحسنة ، الهم ترجيح قصد الفعل ، تقول : هممت بكذا أي : قصدته بهمتي وهو فوق مجرد خطور الشيء بالقلب . 1946 حدّثنا أبُو مَعْمَرٍ حدّثنا عبْدُ الوَارِثِ حدثنا جَعْدٌ أبُو عُثْمانَ حدثنا أبُو رجاءٍ العُطارِدِيُّ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِيما يَرْوِي عنْ ربِّهِ عَزَّ وجَلَّ ، قال : ( قال إنَّ الله كَتَبَ الحَسَناتِ والسَّيِّئات ثُمَّ بَيَّنَ ذالِكَ ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها كَتَبَها الله لهُ عِنْدهُ حَسَنَةً كامِلَةً ، فإنْ هُوَ هَمَّ بِها فَعَمِلَها كَتَبَها الله لهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَناتٍ إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إلى أضْعَافٍ كَثِيرَةٍ ، ومَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلمْ يَعْمَلِها كَتَبَها الله لهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كامِلَةً ، فإنْ هُوَ هَمَّ بِها فَعَمِلَها كَتَبَها الله لهُ سَيِّئَةً واحِدَةً ) . مطابقته للترجمة في قوله : ( فمن هم بحسنة ) وقوله : ( ومن هم بسيئة ) . وأبو معمر عبد الله بن عمرو بن الحجاج المنقري بكسر الميم وسكون النون ، وفتح القاف ، وعبد الوارث هو ابن سعيد ، وجعد بفتح الجيم وسكون العين المهملة ابن دينار ، وكنيته أبو عثمان الرازي ، وأبو رجاء بالمد وبالجيم اسمه عثمان بن تميم العطاردي وهؤلاء كلهم بصريون . والحديث أخرجه مسلم في الإيمان عن شيبان بن فروخ وغيره . وأخرجه النسائي في النعوت وفي الرقائق عن قتيبة . قوله : ( عن النبي صلى الله عليه وسلم ) وفي رواية الإسماعيلي عن مسدد : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . قوله : ( فيما يروي عن ربه ) هذا لبيان أنه من الأحاديث القدسية ، أو بيان ما فيه من الإسناد الصريح إلى الله تعالى حيث قال : قوله : ( إن الله قد كتب ) أو بيان الواقع وليس فيه أن غيره ليس كذلك ، بل فيه أن غيره كذلك ، لأنه صلى الله عليه وسلم ، ما ينطق عن الهوى ، أو المعنى في جملة ما يرويه أنه عز وجل كتب الحسنات أي قدرها وجعلها حسنة ، وكذلك السيئات قدرها وجعلها سيئة . وقال الكرماني : وفيه دلالة على بطلان قاعدة الحسن والقبح العقليين وأن الأفعال ليست بذواتها قبيحة أو حسنة ، بل الحسن والقبح شرعيان حتى لو أراد الشارع التعكيس والحكم بأن الصلاة قبيحة والزنا حسن كان له ذلك ، خلافاً للمعتزلة فإنهم قالوا : الصلاة في نفسها حسنة والزنا في نفسه قبيح ، والشارع كاشف مبين لا مثبت وليس له تعكيسها . قوله : ( ثم بين ذلك ) أي : ثم بين الله عز وجل الذي كتب من الحسنات والسيئات . قوله : ( فمن همَّ ) بيان ذلك بفاء الفصيحة . قوله : ( فلم يعملها ) أي : فلم يعمل الحسنة التي هم بها قوله : ( كتبها الله له عنده ) أي : كتب الله تلك الحسنة التي هم بها ، وقيل : أمر الحفظة بأن تكتب ذلك ، وقيل : قدر ذلك وعرف الكتبة من الملائكة ذلك التقدير . وقوله : ( عنده ) أي : عند الله ، وهذه إشارة إلى الشرف . قوله : ( كاملة ) إشارة إلى رفع توهم نقصها لكونها نشأت عن الهم المجرد ، وقال النووي : أشار بقوله : عنده ، إلى مزيد الاعتناء به . وبقوله : كاملة ، إلى تعظيم الحسنة وتأكيد أمرها ، وعكس ذلك في السيئة فلم يصفها بكاملة بل أكدها بقوله : ( واحدة ) إشارة إلى تحقيقها مبالغة في الفضل والإحسان . قوله : ( فإن هو هم بها ) ، أي :