العيني

76

عمدة القاري

فيها أنه كان عرياناً . وقال أبو عبد الملك : هذا مثل قديم ، وذلك أن رجلاً لقي جيشاً فجردوه وعروة ، فجاء إلى المدينة فقال : إني رأيت الجيش بعيني وإني أنا النذير لكم وتروني عرياناً جردني الجيش فالنجاء النجاء ، وقال ابن السكيت : ضرب به النبي صلى الله عليه وسلم المثل لأمته لأنه تجرد لإنذارهم . وقال الخطابي : روي عن محمد بن خالد : العربان ، بباء موحدة فإن كان محفوظاً فمعناه صحيح وهو الفصيح بالإنذار لا يكنى ولا يورى ، يقال : رجل عربان أي : فصيح اللسان ، من : أعرب الرجل عن حاجته إذا أفصح عنها . قوله : ( فالنجاء ) بالنصب مفعول مطلق فيه إغراء أي : اطلبوا النجاء بأن تسرعوا الهرب لأنكم لا تطيقون مقاومة ذلك الجيش ، ( والنجاء ) الثاني تأكيد وكلاهما ممدودان ، وجاء القصر فيهما تخفيفاً وجاء مد الأول وقصر الثاني . قوله : ( فأدلجوا ) من الإدلاج من باب الإفعال وهو السير أول الليل ، أو كل الليل على الاختلاف في معناه ، وهمزته همزة قطع ، وفي ( التوضيح ) : قوله : ( فأدلجوا ) بتشديد الدال قلت لا يستقيم هذا هنا لأن الادلاج بالتشديد هو السير آخر الليل فلا يناسب هذا المقام والصواب ما ذكرناه قوله : ( على مهلهم ) بفتحتين أي : على السكينة والتأني ، وأما المهل بسكون الهاء فمعناه الإمهال فلا يناسب هنا ، وفي رواية مسلم عن مهلتهم ، قوله : ( فنجوا ) لأنهم أطاعوا النذير وساروا من أول الليل فنجوا . قوله : ( فصبحهم الجيش ) أي : أتوهم صباحاً ، هذا أصله ثم استعمل فيمن يطرق بغتة في أي وقت كان . قوله : ( فاجتاحهم ) بجيم ثم بحاء مهملة أي : استأصلهم ، من جحت الشيء أجوحه إذا استأصلته ، ومنه الجائحة وهي الهلاك . 62 ( ( بابُ الانْتِهاءِ عنِ المَعاصِي ) ) أي : هذا باب في بيان وجوب الانتهاء عن المعاصي أي : تركها أصلاً . والإعراض عنها بعد الوقوع فيها . حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ العَلاءِ حدثنا أبُو أُسامَةَ عنْ بُرَيْدِ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبي بُرْدَةَ عنْ أبي بُرْدَةَ عنْ أبي مُوسَى قال : قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : ( مَثَلِي ومَثَلُ ما بَعَثَنِي الله كَمَثَلِ رَجُلٍ أتَى قَوْماً فقال : رَأيْتُ الجَيْشَ بِعَيْنِيَّ وإنِّي أنا النذِيرُ العُرْيانُ ، فالنَّجاءَ النَّجاءَ ، فأطاعَتْهُ طائِفَةٌ فأدْلَجُوا على مَهْلِهِمْ ، فَنَجَوا ، وكَذَّبَتْهُ طائِفَةٌ فَصَبَّحَهُمُ الجَيْشُ فاجْتاحَهُمْ ) . مطابقته للترجمة من حيث إن فيه الإنذار عن الوقوع في المعاصي والانتهاء عنها . ومحمد بن العلاء بن كريب أبو كريب الكوفي وهو شيخ مسلم أيضاً ، وأبو أسامة حماد بن أسامة الليثي ، وبريد بضم الباء الموحدة مصغر برد ابن عبد الله بن أبي بردة بضم الباء الموحدة واسمه عامر ، وقيل : الحارث ، وبريد هذا يروى عن جده أبي بردة بن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري رضي الله تعالى عنه . والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الاعتصام . وأخرجه مسلم في فضائل النبي صلى الله عليه وسلم . قوله : ( مثلي ) المثل بفتحتين الصفة العجيبة الشأن يوردها البليغ على سبيل الشبه لإرادة التقريب والتفهيم . قوله : ( ومثل ما بعثني الله ) العائد محذوف تقديره : ما بعثني الله به إليكم . قوله : ( قوماً ) التنكير فيه للشيوع . قوله : ( الجيش ) اللام فيه للعهد . قوله : ( بعيني ) بالتثنية وهي رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره بالإفراد . قوله : ( وأنا النذير العريان ) أي : المنذر الذي تجرد عن ثوبه وأخذه يرفعه ويديره حول رأسه ، علاماً لقومه بالغارة . وقال ابن بطال : النذير العريان رجل من خثعم حمل عليه رجل يوم ذي الخلصة فقطع يده ويد امرأته فانصرف إلى قومه فحذرهم فضرب به المثل في تحقق الخبز . وقال ابن السكيت : اسم الرجل الذي حمل عليه عوف بن عامر اليشكري ، والمرأة كانت من بني كنانة ، وتنزيل هذه القصة على لفظ الحديث بعيد لأنه ليس فيها أنه كان عرياناً . وقال أبو عبد الملك : هذا مثل قديم ، وذلك أن رجلاً لقي جيشاً فجردوه وعروة ، فجاء إلى المدينة فقال : إني رأيت الجيش بعيني وإني أنا النذير لكم وتروني عرياناً جردني الجيش فالنجاء النجاء ، وقال ابن السكيت : ضرب به النبي صلى الله عليه وسلم المثل لأمته لأنه تجرد لإنذارهم . وقال الخطابي : روي عن محمد بن خالد : العربان ، بباء موحدة فإن كان محفوظاً فمعناه صحيح وهو الفصيح بالإنذار لا يكنى ولا يورى ، يقال : رجل عربان أي : فصيح اللسان ، من : أعرب الرجل عن حاجته إذا أفصح عنها . قوله : ( فالنجاء ) بالنصب مفعول مطلق فيه إغراء أي : اطلبوا النجاء بأن تسرعوا الهرب لأنكم لا تطيقون مقاومة ذلك الجيش ، ( والنجاء ) الثاني تأكيد وكلاهما ممدودان ، وجاء القصر فيهما تخفيفاً وجاء مد الأول وقصر الثاني . قوله : ( فأدلجوا ) من الإدلاج من باب الإفعال وهو السير أول الليل ، أو كل الليل على الاختلاف في معناه ، وهمزته همزة قطع ، وفي ( التوضيح ) : قوله : ( فأدلجوا ) بتشديد الدال قلت لا يستقيم هذا هنا لأن الادلاج بالتشديد هو السير آخر الليل فلا يناسب هذا المقام والصواب ما ذكرناه قوله : ( على مهلهم ) بفتحتين أي : على السكينة والتأني ، وأما المهل بسكون الهاء فمعناه الإمهال فلا يناسب هنا ، وفي رواية مسلم عن مهلتهم ، قوله : ( فنجوا ) لأنهم أطاعوا النذير وساروا من أول الليل فنجوا . قوله : ( فصبحهم الجيش ) أي : أتوهم صباحاً ، هذا أصله ثم استعمل فيمن يطرق بغتة في أي وقت كان . قوله : ( فاجتاحهم ) بجيم ثم بحاء مهملة أي : استأصلهم ، من جحت الشيء أجوحه إذا استأصلته ، ومنه الجائحة وهي الهلاك . 3846 حدّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنا شُعَيْبٌ حدثنا أبُو الزِّنادِ عنْ عبْدِ الرَّحْمانِ أنَّهُ حَدَّثَه أنَّهُ سَمِعَ أبا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، أنَّهُ سَمِعَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقولُ : ( إنَّما مَثَلِي ومَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُل اسْتَوْقَدَ نارَاً ، فَلمَّا أضاءَتْ ما حَوْلهُ جَعَلَ الفَرَاشُ وهاذِهِ الدَّوابُّ الَّتي تَقَعُ في النَّارِ يَقَعْنَ فِيها ، فَجَعَلَ يَنْزعُهُنَّ ويَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحمْنَ فِيها ، فأنا آخذ بِحُجَزكمْ عنِ النَّارِ وهُمْ يَقْتَحِمُونَ فِيها ) ( انظر الحديث 6243 ) . مطابقته للترجمة من حيث إن فيه منع النبي صلى الله عليه وسلم إياهم عن الإتيان بالمعاصي التي تؤديهم إلى الدخول في النار . وأبو اليمان الحكم ب نافع ، وشعيب هو ابن أبي حمزة الحمصي ، وأبو الزناد بالزاي والنون عبد الله بن ذكوان ، وعبد الرحمن هو الأعرج . والحديث مضى في : باب قول الله * ( ووهبنا لداود سليمان ) * ( ص 1764 ; : 03 ) فإنه أخرجه هناك بعين هذا السند عن أبي اليمان إلى قوله : ( وهذه الدواب تقع في النار ) ثم اختصره وذكر حديثاً آخر . قوله : ( استوقد ) بمعنى : أوقد ، ولكن استوقد أبلغ . قوله : ( أضاءت ) من الإضاءة وهي فرط الإنارة . قوله : ( الفراش ) بفتح الفاء وتخفيف الراء وبالشين المعجمة جمع الفراشة . وقال الكرماني : هي صغار البق ، وقيل : هي ما يتهافت في النار من الطيارات . قلت : هذا أصح من الأول ، وقال الفراء في تفسيرها : إنها كغوغاء الجراد يركب بعضه بعضاً . وقال ابن سيده : هي دواب مثل البعوض واحدتها فراشة ، وقال الطبري : ليس هي ببعوض ولا ذباب ، وقال أبو نصر : هي التي تطير وتتهافت في السراج ، وفي ( مجمع الغرائب ) : هي ما تتهافت في النار من الطيارات ، وقال الداودي : هي طائر فوق البعوض . قوله : ( يقعن ) خبر قوله : ( جعل الفرش ) قوله : ( وهذه الدواب التي تقع في النار ) جملة معترضة وأشار بها إلى تفسير الفراش . قوله : ( فجعل ) بالفاء وفي رواية الكشميهني بالواو والضمير فيه يرجع إلى الرجل . قوله : ( ينزعهن ) بفتح الياء والزاي وضم العين المهملة أي : يدفعهن ، ويروى : يزعهن ، بلا نون من وزعه يزعه وزعاً ، فهو وازع إذا كفه ومنعه . قوله : ( فيقتحمن ) من الاقتحام وهو الهجوم على الشيء ، يقال : قحم في الأمر أي : رمى بنفسه فيه فجأة ، واقحمته فاقتحم ، ويقال : اقتحم المنزل إذا هجم . قوله : ( فيها ) أي : في النار . قوله : ( فأنا آخذ ) قال النووي : روي باسم الفاعل ، ويروى بصيغة المضارع من المتكلم ، وقال الطيبي : الفاء فيه فصيحة كأنه لما قال : ( مثلي ومثل الناس ) . . . إلى آخره ، أتى بما هو أهم ، وهو قوله : ( فأنا آخذ بحجزكم ) ومن هذه الدقيقة التفت من الغيبة في قوله : ( مثل الناس ) إلى الخطاب في قوله : ( بحجزكم ) قوله : ( بحجزكم ) بضم الحاء المهملة وفتح الجيم وبالزاي جمع حجزة وهي معقد الإزار ، ومن السراويل موضع التكة ، ويجوز ضم الجيم في الجمع . قوله : ( وهم يقتحمون