العيني
81
عمدة القاري
يتخرج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل ، وقيل : الأدب استعمال ما يحمد قولاً وفعلاً ، وقيل : الأخذ بمكارم الأخلاق ، وقيل : الوقوف مع المستحسنات ، وقيل : هو تعظيم من فوقك والرفق بمن دونك فافهم . 1 ( ( بابُ البِرِّ والصِّلَةِ وقَوْلِ الله تعالى : * ( الإنسان بوالديه حسنا ) * ( العنكبوت : 8 ) ) أي : هذا باب في ذكر البر والصلة ، والبر والإحسان ومنه البر في حق الوالدين وهو في حقهما وحق الأقربين من الأهل ، ضد العقوق وهو الإساءة إليهم والتضييع لحقهم ، يقال : بريبر فهو بار وجمعه بررة ، وجمع البر أبرار ، والصلة هي صلة الأرحام وهي كناية عن الإحسان إلى الأقربين من ذوي النسب والأصهار والتعطف عليهم والرفق بهم والرعاية لأحوالهم ، وكذلك إن بعدوا وأساؤوا ، وقطع الرحم قطع ذلك كله ، يقال : وصل رحمه يصلها وصلاً وصلةً ، وأصل الصلة : وصل ، فحذفت الواو تبعاً لفعله وعوضت عنها الهاء فكأنه بالإحسان إليهم قد وصل ما بينه وبينهم من علاقة القرابة والصهر . وقوله : ( باب البر . . . إلخ ) هكذا وقع لأكثر الرواة وحذف بعضهم لفظ : البر والصلة ، واقتصر النسفي على قوله : كتاب البر والصلة . . . إلى آخره قوله : ( وقول الله ) بالجر عطفاً على ما قبله من المجرور بالإضافة ، هذه الآية وقعت بهذا اللفظ في العنكبوت وفي الأحقاق أما التي في العنكبوت فهي قوله تعالى : * ( ووصينا الإنسان . . لك به علم ) * ( الأحقاف : 15 ) ، وأما التي في الأحقاق فهي قوله تعالى : * ( ( 13 ) ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً ) * ( لقمان : 14 ) وفي لقمان أيضاً : * ( ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن ) * . . . الآية . والمراد هنا الآية التي في العنكبوت ، وسبب نزول هذه الآية ما روي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ، أنه قال : نزلت يعني : الآية المذكورة في خاصة ، كنت رجلاً باراً بأمي ، فلما أسلمت قالت : يا سعد ! ما هذا الذي أحدثت ؟ لتدعن دينك هذا أو لا آكل ولا أشرب ، ولا يعلني سقف حتى أموت فتعير في فيقال : يا قاتل أمه ، فقلت : لا تفعلي يا أماه فإني لا أترك ديني هذا ، فمكثت يوماً وليلة لا تأكل ، فلما أصبحت جهدت ومكثت يوماً آخر وليلة كذلك ، فلما رأيت ذلك منها ، قلت : تعلمين والله يا أماه لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفساً نفساً ما تركت ديني هذا ، فكلي إن شئت أو لا تأكلي ، فلما رأت ذلك أكلت فنزلت هذه الآية ، والتي في لقمان والأحقاف وأمره صلى الله عليه وسلم ، أن يرضيها ويحسن إليها ولا يطيعها في الشرك . قلت : اسم أم سعد المذكورة : حمنة ، بفتح الحاء المهملة وسكون الميم بعدها نون بنت سفيان بن أمية وهي ابنة عم أبي سفيان بن حرب بن أمية ، ولم يعلم إسلامها واقتضت الآية الكريمة الوصية بالوالدين والأمر بطاعتهما ولو كانا كافرين إلا إذا أمرا بالشرك فتجب معصيتهما في ذلك . قوله : ( حسناً ) نصب بنزع الخافض أي : بحسن ، وقرئ إحساناً على تقدير : أن تحسن إحساناً ، وحسناً أعم في البر . 5970 حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ حدثنا شُعْبَةُ قال : الوَلِيدُ بنُ عَيْزار أخبرني قال : سمعْتُ أبا عَمْرو الشَّيْبانِيّ يَقُولُ : أخبرنا صاحبُ هاذِهِ الدَّارِ . وأوْمَأ بِيَدِهِ إلى دارِ عَبْدِ الله . قال : سألْتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم : أيُّ العَمَلِ أحَبُّ إلى الله ؟ قال : الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِها ، قال : ثُمَّ أيُّ ؟ قال : ثُمَّ بِرُّ الوالِدَيْنِ ، قال : ثُمَّ أيُّ . قال : الجهادُ في سَبِيلِ الله ، قال : حدّثني بِهِنَّ وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزادَنِي . مطابقته للترجمة ظاهرة لأن قوله : باب البر ، هو بر الوالدين والآية أيضاً في بر الوالدين . وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي ، والوليد بن عيزار بفتح العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف بعدها زاي ثم راء ، ووقع لبعض الرواة : العيزار ، بالألف واللام . قوله قال : الوليد بن عيزار أخبرني ، هو من تقديم اسم الراوي على الصيغة ، وهو جائز ، وكان شعبة يستعمله كثيراً ، وأبو عمر والشيباني اسمه سعد بن أبي إياس ، والشيباني من شيبان بن ثعلبة بن عكامة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل ، أدرك زمان النبي صلى الله عليه وسلم وعاش مائة وعشرين سنة ، وعبد الله هو ابن مسعود رضي الله عنه . والحديث مضى في مواقيت الصلاة في : باب فضل الصلاة لوقتها ، بعين هذا الإسناد والمتن . فإن قلت : تقدم في : باب الإيمان إن إطعام الطعام خير أعمال