العيني

47

عمدة القاري

عنه ، أنه رأى رجلاً قد ترك لحيته حتى كبرت فأخذ يجذيها ثم قال : ائتوني بحلمتين ثم أمر رجلاً فجزما تحت يده ، ثم قال : إذهب فأسلح شعرك أو أفسده ، يترك أحدكم نفسه حتى كأنه سبع من السباع ، وكان أبو هريرة يقبض على لحيته فيأخذ ما فضل ، وعن ابن عمر مثله ، وقال آخرون : يأخذ من طولها وعرضها ما لم يفحش ، ولم يجدوا في ذلك حداً غير أن معنى ذلك عندي ما لم يخرج من عرف الناس ، وقال عطاء : لا بأس أن يأخذ من لحيته الشيء القليل من طولها وعرضها إذا كبرت وعلت كراهة الشهرة ، وفيه تعريض نفسه لمن يسخر به ، واستدل بحديث عمر بن هارون عن أسامة بن زيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها ، أخرجه الترمذي ، وقال : هذا حديث غريب ، وسمعت محمد بن إسماعيل يقول : عمر بن هارون مقارب الحديث لا أعرف له حديثاً ليس له أصل ، أو قال : ينفرد به إلاَّ هذا الحديث ، قال : ورأيته حسن الرأي في عمر بن هارون ، وسمعت قتيبة يقول : عمر بن هارون كان صاحب حديث وكان يقول : الإيمان قول وعمل . قوله : ( وكان ابن عمر إذا حج ) . . . إلى آخره موصول بالسند المذكور إلى نافع وقد أخرجه مالك في ( الموطأ ) عن نافع بلفظ : كان ابن عمر إذا حلق رأسه في حج أو عمرة أخذ من لحيته وشاربه . قوله : ( فما فضل ) بفتح الفاء والضاد المعجمة ، وحكى كسر الصاد كعلم والفتح أشهر ، وقال الكهرماني : وما فضل أي : من قبضة اليد قطعه تقصيراً ولعل ابن عمر جمع بين حلق الرأس وتقصير اللحية اتباعاً لقوله تعالى : * ( ( 84 ) محلقين رؤوسكم ومقصرين ) * ( الفتح : 27 ) هذا هو المقدار الذي قاله الكرماني ، وقد نقل عنه بعضهم ما لم يقله ثم طول الكلام بما لا يستحق سماعه ، فذلك تركته ، وقال النووي : يستثني من الأمر بإعفاء اللحى ما لو نبتت للمرأة لحية فإنه يستحب لها حلقها ، وكذا لو نبت لها شارب أو عنفقة . 65 ( ( بابُ إعْفاءِ اللِّحَى ) ) أي هذا باب في بيان إعفاء اللحى ، قال بعضهم : استعمله من الرباعي وهو بمعنى الترك . قلت : لا يسمى هذا رباعياً في الاصطلاح ، وإنما يسمى مزيد الثلاثي . عَفَوْا : كَثُرُوا وَكَثُرَتْ أمْوالهُمْ ليس هذا بموجود في بعض النسخ ، وأشار به إلى تفسير قوله تعالى في الأعراف : * ( ( 7 ) حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء ) * ( الأعراف : 95 ) وفسر قوله : ( عفوا ) بمعنى : كثروا وكثرت أموالهم ، وذكر في الترجمة : الإعفاء وهو من المزيد كما قلنا ثم ذكر : عفوا ، وهو من الثلاثي المجرد فكأنه أشار بهذا إلى أن هذه المادة في الحديث جاءت لمعنيين فعلى الأول : تكون همزة : إعفوا ، همزة قطع وعلى الثاني : همزة وصل ، وقال ابن التين : وبهمزة قطع أكثر . 5893 حدَّثني مُحَمَّدٌ أخبرنا عَبْدَةُ أخبرنا عُبَيْدُ الله بنُ عُمَرَ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما ، قال : رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : انْهَكُوا الشَّوَارِبَ وأعْفَوا اللِّحَى . ( انظر الحديث 5892 ) . مطابقته للترجمة في قوله : ( واعفوا اللحى ) ومحمد هو ابن سلام وعبدة بفتح العين وسكون الباء ابن سليمان ، وعبيد الله بن عمر العمري ، وقد مر عن قريب . والحديث أخرجه مسلم ولفظه : احفوا الشوارب وأعفو مأموراً به ، فلم أخذ ابن عمر من لحيته وهو راوي الحديث ؟ وأجيب بأنه لعله خصص بالحج أو أن المنهي هو قصها كفعل الأعاجم . 66 ( ( بابُ ما يُذْكَرُ في الشَّيْبِ ) ) أي : هذا باب في بيان ما الذي يذكر في أمر السيب : هل يترك على حاله أو يخضب ، والشيب بياض الرأس عن الأصمعي وغيره ، وقال الجوهري : الشيب والمشيب واحد ، والأشيب المبيض الرأس ، وقد شاب رأسه شيباً وشيبةً وهو أشيب على غير قياس ، ويجمع على : شيب ، بكسر الشين . فإن قلت : ما وجه ذكر هذا الباب ههنا ؟ قلت : لأجل المناسبة بينه وبين الباب الذي قبله ، ووجه ذكر الأبواب الثلاثة التي قبله هنا هو ما فيها من نوع الزينة فتدخل في كتاب اللباس . 5894 حدَّثنا مُعَلَّى بنُ أسَدٍ حدثنا وُهَيْبَ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ سيرينَ قال : سألْت أنَسا